الأربعاء 22 شوال 1440 الموافق يونيو 26, 2019
 

د. سهام رزق الله: بين المستشار الاقتصادي وأصحاب القرار..عشرة تحديات في رحلة ألف ميل

الخميس, 27 ديسمبر, 2018

د. سهام رزق الله: بين المستشار الاقتصادي وأصحاب القرار..عشرة تحديات في رحلة ألف ميل
27-12-2018
د. سهام رزق الله (أستاذة محاضرة في جامعة القديس يوسف ومستشارة إقتصادية إجتماعية)
مهمة المستشار الاقتصادي الى جانب أصحاب القرار والمتعاطين بالشأن العام من منطلق العمل الوزاري أو النيابي مسألة دقيقة تحكمها تحديات كبرى بين القدرة على الاقناع بما يراه الاقتصادي ضروريا وملحا وبين ما يراه السياسي ممكنا وأولويا بالنظر لقناعاته كما لانتمائه. علما أنه عندما يشرح الخبير الواقع الإقتصادي، يقوم بعمل علمي مبني على نظريات ثابتة وتجارب مثبتة أما عندما يسعى إلى تحسين الواقع الاقتصادي ويقدم إقتراحات عملية لتنفيذها يكتسب صفة المستشار لأصحاب الشأن، وتبدأ بذلك رحلة التحدي لإيصال فكرته والتمهيد لتنفيذها والسير وسط حقل الألغام لإيصالها الى بر الأمان. فأين تكمن أسس التحديات؟ كيف يمكن تلخيصها وشرحها وأي أفق لتخطيها ودوزنة العلاقة بين الطرفين؟
****************
يتخرّج سنويا ألوف المتخصصين بالعلوم الاقتصادية ويتوزعون بين مختلف مجالات العمل والقطاعات فيعملون في المصارف والشركات المالية والمؤسسات الكبرى التجارية والصناعية والسياحية ومكاتب إستشارات لتقديم دراسات الأسواق لمختلف أنواع الشركات وفيما يختار آخرون العمل في المؤسسات العامة أو منظمات غير حكومية محلية أو دولية ويفضل قليلون العمل البحثي والأكاديمي في الجامعات ومراكز الأبحاث...تختار قلة قليلة جدا أن تغامر في الاستشارات الاقتصادية لأدى أصحاب القرار في الوزارات او المجلس النيابي أو الأحزاب وتبدأ معها رحلة الألف ميل في تشخيص الواقع الإقتصادي واقتراح الحلول الممكنة أمام أصحاب الشأن بغض النظر عن إختصاصهم واختصاص من حولهم وخيارات جميعهم في الفكر والسياسة والقيم والمبادئ الاجتماعية المؤثرة في اتخاذ قراراتهم.. ومن هنا ينطلق البحث في التحديات المتنوعة التي تتسّم بها هذه المهمة والتي يمكن إختصارها بعشرة تحديات أساسية يصلح زيادتها أو تفصيلها وفق الظروف وأوضاع البلاد وخصوصيات المعنيين بها سعيا للتوازن المطلوب لعلاقة ثابتة بين الطرفين.
التحدي الأول يكمن في اختيار الشخصية التي يمكن تقديم الاستشارات الاقتصادية لها بالنظر الى إدراكها لقيمة الخبير الاقتصادي كمرجع أساسي في مجاله، والمعلوم أن ذلك يتطلّب حرصاً كبيرا في ايام يدعي فيها الجميع الإلمام بكافة المواضيع ويقدمون الآراء والنصائح في الاقتصاد والقانون والاجتماع والإعلام والسياسة بنفس السهولة دون أي مرتكز سوى قدرة التأثير والإقناع لدى أصحاب الشأن.. لذا تلعب شخصيّة المسؤول دورا فاصلا في "إعطاء الخبز للخباز".
التحدي الثاني يتعلّق بالمدرسة الفكرية والقيم الاجتماعية التي يتسم بها المسؤول المعني حيث لا ينفع مثلا تقديم كل المبررات والفوائد والحجج الضرورية لاعتماد الشراكة بين القطاع والعام والقطاع الخاص لمن ينتمي لمعتقد فكري يسعى للتأميم الكلي للقطاعات الاقتصادية أو على العكس لمن هو مقتنع بفكر ليبرالي راديكالي يسعى للخصخصة الشاملة غير المشروطة كخيار فعال وبناء وحيد دون سواه وبغض النظر عن انعكاساته على العدالة والمساواة الاجتماعية في الحصول على الخدمات...
التحدي الثالث يعود للخط السياسي والحزبي الذي تنتمي إليه الشخصية المعنية لناحية الاستعداد لتبني إقتراحات المستشار الاقتصادي في البرامج والاستراتيجية المعتمدة والايعاز لوزرائه ونوابه بالعمل لتنفيذها أو بالعكس الطلب من المستشار الاقتصادي تحضير التعليل والحجج اللازمة لإقناع الجمهور بالخيارات الاقتصادية للحزب وفكره الاقتصادي بغض النظر عن قناعة الخبير نفسه بها أو الرجوع اليه لدى اعتمادها، وهنا يعود للاقتصادي القبول أو الرفض بلعب هذا الدور "المقلوب"... أو استباقا أن يختار الاقتصادي تقديم استشاراته فقط لمن يعرف مسبقا أنه يتفق معهم فكريا وعقائديا وعلى جميع المستويات وضمنا الرؤيا الاقتصادية...
التحدي الرابع هو التوقيت حيث تلعب اللحظة الزمنية التي يختار فيها الخبير الاقتصادي تقديم إستشارته دورا أساسيا في تبنيها أو تأجيلها او حتى رفضها لعدم ملاءمتها مع اولويات الشخصية السياسية أو الحزب الذي تنتمي إليه في لعبة سلّم الأولويات التي لا يؤثر فيها المستشار الاقتصادي لوحده بل تحكمها عوامل عديدة لدى الشخصية وفريق عمله المتنوع الاختصاصات وطبعا حزبه السياسي وأوضاع البلاد...
التحدي الخامس يتمثّل بتوفّر التمويل حيث يتعرّض غالبا الاقتصاديون لقلق أصحاب الشأن من تبني إقتراحاتهم نظرا لصعوبة تأمين التمويل اللازم لتنفيذها إلا إذا أرفق المستشار استباقا خطة التمويل وآليات التنفيذ المسهّلة لها في الوقت عينه.
التحدي السادس يعود لثقل وحجم وهامش تحرّك أصحاب القرار في خوض معاركهم الاصلاحية وتبني الاقتراحات الاقتصادية للمستشار، وذلك يتاثّر بموقع المسؤول ومدى سلطته في موقعه وقدرته على التأثير في حزبه او الحكومة أو المجلس النيابي فضلا عن حجم وقوة التأثير للحزب الذي ينتمي إليه في اقتراح المشاريع وحشد التصويت لها لتحقيق الانجازات المطلوبة.. وإلا قد يفضّل تفادي تبني الاستشارات الاقتصادية الجديدة وصرف الجهد والوقت لها دون إمكانية ضمان إيصالها في المنابر الرسمية.
التحدي السابع يتعلّق بمدى استقرار العمل المؤسساتي في البلد الذي يتم فيه تقديم الاستشارات الاقتصادية للشخصيات السياسية في مواقع القرار، حيث قد يتعرّض الاقتصادي لتأجيل بت إقتراحاته في ظل غياب الاستقرار والاستمرارية في العمل المؤسساتي حيث كلما حصل مثلا تغيير حكومي توضع جانبا إقتراحات وخطط الوزراء السابقين ويبدأ الوزراء الجدد التخطيط وتلقي الاستشارات التي يدركون أنه يحتمل ألا يلحّقون تنفيذها قبل تغيير جديد يعيد البحث الى نقطة الصفر...
التحدي الثامن يتعلّق بمدى قرب أو بُعد الاستشارات الاقتصادية المقدّمة في مجال عمل وإختصاص الشخصية السياسية.. فيكون مثلا رجل الأعمال أو الصناعي أو رئيس مؤسسة إجتماعية تنموية أكثر أهتماما لتلقّف للإستشارات المفيدة للقطاع المعني به والمدرك لحاجاته أكثر من أي شخصية بعيدة عن المجال وغير متأثرة فيه لا بل يكون أكثر حماسة في النضال لأجله والاستفادة من فترة توليه موقع قرار لتحسين وضع قطاعه تحضيرا لاستكمال مصالحه فيه بعد هذه المرحلة.
التحدي التاسع يكمن في تحلّي المسستشار الإقتصادي بمهارة التواصل وقوة التفاوض وسهولة التعاطي وقدرة الإقناع وخصوصا سلاسة تبسيط الأفكار في تقديم إقتراحاته للمسؤول المعني كما لمختلف أعضاء فريق عمله المحيط به والمؤثّر على آراءه وخياراته. هذا التواصل يساعد الاقتصادي في تفادي خطر تلقي الرفض إستنادا الى سوء فهم اقتراحاته ممن هم بعيدين عن المجال أو إستنادا الى حسابات تزكّي الاهتمام بإقتراحات تتعلّق بمجال معيّن على حساب مجال آخر (مثلا طغيان الاستشارات السياسية على الملفات الاقتصادية أو الاجتماعية أو غيرها)
التحدي العاشر هو اعتماد منهجية إستمزاج آراء الجهات المعنية قبل تقديم المستشار الاقتصادي للإقتراحاته من ثم اعتماد المناصرة والضغط باتجاه تبنيها وهو ما يحتاج تشبيك إجتماعي مع الجهات والمجموعات المعنية بالملف موضع البحث (نقابات، جمعيات، مؤسسات قطاعية..). فالاقتصادي يعزز إقتراحاته بمساندة مسبقة من الشرائح والمجموعات المعنية بها بحيث يهيء قاعدة من المؤيدين الذين يرجّح أن تؤخذ آراءهم قبل تبني الاقتراحات من قبل أصحاب الشأن، ومن ثم يسعى لخلق مجموعات ضغط لمتابعتها وملاحقة تبنيها وتطبيقها بفتح أوسع مروحة أبواب تجعل من الصعب الرهان على حصرها لطمسها او المراهنة على عامل الوقت لإهمالها.
هذه التحديات العشرة إن أهملها المستشار الاقتصادي من شأنها أن تتحوّل الى مشروع مطبّات تعرّض مسيرته للاهتزاز أو الانحراف نحو مهمّة إعداد تقارير داعمة ومبررة مسبقاً للخيارات الاقتصادية لأصحاب الشأن بدل تقديم الاستشارات الاصلاحية والريادية المقنعة لهم. أما على العكس إن أحسن الاقتصادي أخذ احتياطاته تجاه هذه التحديات فمن شأنها أن تحوّل مهمّته من مجرّد مستشار يقدّم إقتراحات غير مضمونة الأفق الى لاعب فاعل وقبطان في قيادة الخيارات الاقتصادية للمسؤول أو الفريق الذي يمثّله في أي موقع مسؤولية يتولاه لا بل في أي موقع يمر فيه وحتى بعد الخروج منه ومتابعته من اي موقع جديد يتولاه.. صحيح أن دقة كل مهمّة إستشارية تحتاج لفترة مد وجزر لدوزنة العلاقة بين طالب الاستشارة ومقدّمها إلا ان خصوصية الاستشارة الاقتصادية بالذات تكمن في كون الاقتصاد ملف يتقنه القليلون ويتناوله كثيرون لأنه في الواقع يطاول الجميع!
____________________________

مقال
بواسطة:
باحثة وأستاذة محاضرة في جامعة القديس يوسف في لبنان
عضو منذ: 24/09/2016
عدد المشاركات: 34