السبت 14 شوال 1441 الموافق يونيو 6, 2020
 

د. سهام رزق الله: عبثا قراءة الاقتصاد بمعزل عن السياسة

الأربعاء, 25 ديسمبر, 2019

"عبثا قراءة الاقتصاد بمعزل عن السياسة" هو عنوان مقالي اليوم في جريدة "الجمهورية".
دكتورة سهام رزق الله (استاذة محاضرة في جامعة القديس يوسف ، كلية العلوم الإقتصادية)

بعد أن كانت العناوين السياسية طاغية على كل ما عداها في البرامج الانتخابية او اللقاءات الاعلامية او حتى الجلسات الإجتماعية، في ظل غياب بل تغييب البحث الاقتصادي عن الواجهة، أصبح فجأة الاقتصاد في الصدارة في حين من العبث قراءته بمعزل عن السياسة.. الاقتصاد ليس على جزيرة معزولة وترابطه واضح بالمحطات السياسية المؤثرة به.. فكيف تبدو الصورة عبر أبرز المراحل؟

**************
بداية من المفيد معرفة أن لبنان منذ حصوله على استقلاله عام ١٩٤٣ عرف نموذجا اقتصاديا رائدا جعله قبلة أنظار العالم شرقا وغربا، وأسس المصرف المركزي من ابرز احتياطات الذهب عالميا ولم تعرف المالية العامة عجزا ماليا ولا حاجة للاستدانة حتى بعد السنوات الأولى من بدء حرب ١٩٧٥-١٩٩٠ ، وتخطى إنتاج الكهرباء حاجات لبنان وسمح بتصدير الفائض إلى سوريا.
أما رصيد الميزان التجاري (الفارق بين التصدير والاستيراد) فلطالما كان في عجز مستمر الا ان ميزان الرساميل كان دائما في حالة فائض يغطي العجز التجاري وأكثر ليحقق فائض في ميزان المدفوعات فيما كان سعر صرف الدولار قبل حرب ١٩٧٥ بحدود الليرتين ونصف..
طبعا ان حرب ١٩٧٥-١٩٩٠ ارخت بظلالها على الاقتصاد اللبناني وشهدنا تضخما صاروخيا بلغ ٤٨٧% عام ١٩٨٧ وارتفع سعر الدولار الى ٢٥٠٠ ليرة عام ١٩٩٢، وتوجه القطاع الخاص اختياريا نحو الدولرة وبدأت الاستدانة في منتصف الثمانينات قبل تضاعفها مع اعادة الإعمار بدءا من العام ١٩٩٢ بالتزامن مع اعتماد سياسة ربط سعر صرف الليرة إزاء الدولار وتثبيته على ١٥٠٧.٥ منذ ١٩٩٧...

وتزايدت دولرة الدين العام حتى بلغت ثلثه إذ أن الفائدة على سند الدين بالعملة الأجنبية اقل من الفائدة على السند بالليرة كما أنه يسهل تسويق اليوروبوند عالميا ولو بقي معظمه ان بالليرة أو بالدولار بين ايدي المصرف المركزي والمصارف التجارية التي أمّنت تمويل القطاع العام وخصوصا مع الهندسات المالية بعد ان تفاقم عجز المالية العامة وتزايد دينها ككرة ثلج... فيما التجاذبات السياسية دهورت المناخ الاستثماري ومنعت تحقيق النمو الاقتصادي الذي يسمح بالتفوّق على الدين العام.

أما الدور الاقتصادي للبنان تغيّر والقطاعات الإنتاجية الصناعية كما الزراعية تدهورت ولم تعد تساهم الا بشكل طفيف بالناتج المحلي، وتم تشريع ابواب الاستيراد مع اتفاقات تحرير تجارة والمنافسة غير المتكافئة وتعريض اسواقنا للاغراق وبقي التعويل محصورا بالمغتربين ونفقات السواح والاقتصاد الريعي والاستثمار العقاري على أهميته. وأُهمِلَ الاستثمار الثابت والمنتج الزراعي والصناعي الذي يؤمّن الحد الأدنى من "الأمن الغذائي" وهذا ما تم تلمسه تباعا مع الاستحقاقات الكبرى بعد تحرير عام ٢٠٠٠ والتحولات حتى عام ٢٠٠٥ وخروج سوريا من لبنان وحرب تموز ٢٠٠٦ التي أظهر أننا بنينا اقتصاد سلام في حين نعيش في منطقة غليان وتذكرنا بمقولة جبران خليل جبران "ويل لأمة تأكل مما لا تزرع وتلبس مما لا تنسج"..

وما لبثت أن انتهت الازمة حتى عاودنا اللجوء إلى مؤتمرات الدعم والاستدانة ونسينا مجددا الاستثمارات المنتجة الثابتة واستكمال الاعتماد الحصري على الخدمات (التجارية السياحية العقارية المصرفية..) مقابل ضعف الزراعة والصناعة والابتكار التكنولوجي ومحاكاة لغة العصر وحاجات خلق الفرص العمل للشباب، ومن جديد وقع لبنان في تجاذبات سياسية وصراعات داخلية وخارجية أدت بعد أحداث ايار ٢٠٠٧ إلى اتفاق الدوحة الذي تبعه بعض الاستقرار وبدأ النمو ليتخطى ٨% عام ٢٠١٠ وانخفض الدين العام الى الناتج المحلي الى اقل من ١٣٠% بعد أن كان تخطى ١٨٠%، وتحسنت الأوضاع واجتذب لبنان الأموال خاصة مع حكمة الجهاز المصرفي التي حفظته من الانخراط في الأزمة المالية العالمية عام ٢٠٠٨ ولم يحتاج لبنان حتى الى رفع سقف الضمان على الودائع التي بقيت خمسة ملايين فيما كان طرح رفعها مرارا قبل إعادة أثارتها اليوم.... اما عام ٢٠١١ فعادت وتازمت الأوضاع داخليا واقليميا، داخليا سقطت الحكومة اللبنانية وإقليميا بدأت الأزمة السورية، عمليا تدهور جو الاستقرار وبدأ المسار الانحداري على جميع المستويات، تراجع معدل النمو حتى اقل من الصفر بالمئة اليوم، فالاستثمار يتأثر بشكل أساسي بالمناخ الاستثماري قبل اي إجراءات تقنية يرتبط بها من معدلات فائدة ومستوى ضرائب وغيرها، وتزايد العجز المالي بشكل غير مسبوق وارتفعت الاستدانة وتدهور ميزان المدفوعات بشقيه (التجارة والرساميل)..فيما كانت تتقدم حركة الاستعانة بالمنظمات الدولية لتأمين الحد الأدنى من الحاجات الإنسانية للآلاف من النازحين القادمين وقد أظهرت تقارير البنك الدولي الانتعاكاسات المباشرة وغير المباشرة لهذه الأزمة على اقتصاد لبنان، وصولا إلى الجمود الكلي للمؤسسات السياسية اللبنانية في ظل الفراغ الرئاسي بين ايار ٢٠١٤ و تشرين الأول ٢٠١٦، وغياب إقرار الموازنات من عام ٢٠٠٥ حتى عام ٢٠١٧ مع إعادة انطلاق العمل المؤسساتي بعد التسوية الرئاسية عام ٢٠١٦، وإذ بلبنان يشهد الاهتزاز الحكومي الكبير في تشرين الثاني ٢٠١٧ ليعيد الى الواجهة من جديد شد الحبال على المشهد السياسي.

وطغت من جديد التحضيرات لانتخابات نيابية عام ٢٠١٨ على كل المواضيع على امل انطلاق العمل التنموي بعدها، ولكن تضافرت عوامل الضغط قبل وخلال وبعد تشكيل الحكومة التي ما ان استلمت مهامها مطلع عام ٢٠١٩ وتأخر مؤتمر "سيدر" لدعم لبنان، وبدء التنقيب عن ثروة لبنان من الغاز والبترول، وتفاعلت الضغوط وتظهرت تراكمات الاختلالات الاقتصادية وانفجرت ازمة تطايرت شظاياها، وأصبحت لملمتها مرهونة بحسن تشخيصها والفصل بين اسسها ومختلف أنواع اشتراكاتها بدون هلع وبقمة الحكمة وبالوعي الدائم إلى أن فينيق لبنان يتخبط ولا يسقط، يحفر مغارة ليضيء منارة، ولا ينتفض الا ليولد من جديد بكل عزم وعنفوان وعلى أسس واضحة وصلبة ورؤيوية...
____________________________

مقال
لمشاهدة ملفات الدراسات، نأمل تسجيل الدخول, أو تسجيل عضوية جديدة
بواسطة:
باحثة وأستاذة محاضرة في جامعة القديس يوسف في لبنان
عضو منذ: 24/09/2016
عدد المشاركات: 49