الأربعاء 13 ربيع الثاني 1441 الموافق ديسمبر 11, 2019
 

المسؤولية الاجتماعية بالجزائر!

الخميس, 19 يناير, 2017

مراد ملاح

ننشد منذ عقود من الزمن تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية، تليق بالمقدرات المادية والبشرية لبلد مثل الجزائر، تنمية كثر الحديث عنها دون أن تتضح ملامحها ولا روافد بنائها ودعائمها، تنمية تعطي للجزائر وزنها الحقيقي وبُعدها الاستراتيجي في عالم مليء بالتغيرات القوية والسريعة وفي محيط إقليمي به تحديات أمنية صعبة ومعقدة.

ومقابل هذه الآمال المنشودة تزداد آثار التحولات الاقتصادية التي عرفتها الجزائر على الحياة الاجتماعية، فاقتصادنا الذي لم يفطم من ريع المحروقات، لا يملك بدائل كثيرة لمواجهة تقلبات أسعار البترول والغاز، إلا بقرارات وإن اختلفت ألوانها وصياغاتها فإنها في النهاية تزيد العبء على الشركات الصغيرة والمتوسطة من جهة، وعموم المواطنين من جهة أخرى، أعباء تمثل وجهين لعملة واحدة، بتأثير سلبي مزدوج على التنمية الاجتماعية والاقتصادية، على حد سواء.

يصحب هذه الفترة من اقتصاد الجزائر وتيرة قد تبدو غير واضحة للعيان، لتوسع الشركات الكبيرة باستحواذها على الشركات الصغيرة في السوق، واندثار بعض المهن البسيطة، وتقلص الوظائف، حيث في ظل هذه الظروف الاقتصادية الصعبة، يلجأ صغار المستثمرين إلى بيع حصصهم، خاصة في القطاعات التي تصبح فيها تكلفة المنتج أكبر من سعر البيع أو الخدمة.

ومن منظور اقتصادي وأخلاقي، لا يجب أن تقف الدولة أمام زيادة أعباء الحياة على مواطنيها موقف المتفرج، في وقت ترتفع فيه الأسعار وتزداد أرباح الشركات الكبرى، نلحظ ظواهر خطيرة كالعمالة الرخيصة و عمالة الأطفال واتساع رقعة الفساد، والتمييز في الوظائف والمهن، ومخاطر بيئية لا عد ولا حصر لها، وضع يذكرنا بما حدث في تسعينات القرن الماضي في الجزائر وكثير من الدول في العالم، فكان لزاما على المجتمع الدولي آنذاك التصدي لهذه المتغيرات، فجاء مقترح الأمين العام الأممي السابق، كوفي عنان، سنة 1999، متمثلا في مبادرة دولية تجمع الشركات بهيئات الأمم المتحدة ومنظمات العمل والمجتمع المدني، لدعم المبادئ العشرة في مجالات حقوق الإنسان والعمل والبيئة، أو ما يسمى بالمسؤولية الاجتماعية التي عرفها الميثاق الأممي أنها: ربط اتخاذ القرارات في مؤسسات الأعمال بالقيم الأخلاقية، وبالامتثال للاشتراطات القانونية، وباحترام الأشخاص، والمجتمعات المحلية، والبيئة.

كما عرف البنك الدولي المسؤولية الاجتماعية بأنها التزام أصحاب النشاطات الاقتصادية، بالمساهمة في التنمية المستدامة، من خلال العمل مع المجتمع المحلي، لتحسين مستوى المعيشة بأسلوب يخدم الاقتصاد والتنمية في آن واحد،
في حين عَرفت مؤسسة العمل الدولية المسؤولية الاجتماعية بأنها(المبادرات الطوعية، التي تقوم بها المؤسسات أو الشركات الخاصة، علاوة على ما عليها من التزامات قانونية، وهي طريقة تستطيع أن تنظر بها أي مؤسسة في تأثيرها على جميع أصحاب المصلحة المعنيين، وتعد المسؤولية المجتمعية للمؤسسات تكملة للوائح الحكومية، أو السياسة المجتمعية، وليست بديلاً عنهما).

والمقارن لهذه التعريفات وتطبيقاتها مع واقع الشركات الكبرى بالجزائر، يجد تقصيرا كبيرا من هذه الكيانات الضخمة التي تجني أرباحا طائلة من نشاطاها الاقتصادي حكومية كانت أو خاصة، مقابل تسهيلات جبائية وإدارية كبيرة مقدمة من قبل الدولة، اللهم بعض الإسهامات المناسباتية على شكل فعاليات بسيطة لا تسمن ولا تغني من جوع، أو دعم النوادي الرياضية لأغراض إشهارية بحتة، دون مراعاة الأثر الاجتماعي المرجو تحقيقه، خاصة لدى الفئات الهشة في المجتمع من ذوي الاحتياجات الخاصة والأيتام والأرامل وغيرها.

إن تكسب الشركات من خلال نشاطاتها الاقتصادية أمر مشروع، كفله الدستور واللوائح والقوانين المنظمة للنشاط الاقتصادي والتجاري، لكن في ظل قلة الوعي بضرورة إسهام هذه الشركات الكبرى في المشاريع ذات النفع العام، وغياب العمل الجمعوي المؤسسي في الجزائر، مطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى من الحكومة أن توجد الإطار التنظيمي لمفهوم المسؤولية الاجتماعية، بإشراك مختلف الفاعلين الاقتصاديين في دعم المشاريع ذات الطابع الاجتماعي مقابل التسهيلات التي يحصلون عليها من إعفاء ضريبي وأراض مجانية وتسهيلات بنكية، كما هو الحال في عديد الدول حتى العربية منها، حيث المسؤولية الاجتماعية صارت إدارة قائمة في هيكل الشركة، تتنافس المؤسسات الخيرية والجمعيات بطرح مشاريع للفئات الأكثر احتياجا، مع مؤشرات واضحة وخطط ممنهجة، لتحظى بالدعم المالي لهذه الشركات، في تلاحم وتعاون وتشارك بين القطاع الأهلي أو ما أصبح اليوم يسمى بالقطاع الثالث والمتعاملين الاقتصاديين، بتأطير محكم عادة من هيئة مختصة أو وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، بل أن بعض الحكومات أعفت الشركات من الضرائب على أرباحها، مقابل التزامها بتقديم مشاريع اجتماعية أو دعم مبادرات شبابية، وهذا ما أوجد مناخا تكافليا، ووعيا اجتماعيا باحتياجات فئات المجتمع الضعيفة والمحتاجة، و ما أسهم أيضا في تخفيض الضغط على الجهات الحكومية، خاصة ما يتعلق بالفئات التي تحتاج حجم إنفاق وعناية كبيرا جدا، ولفترات زمنية قد تتجاوز العقود من الزمن، كما هو الحال لمرضى السرطان وذويهم، والأمثلة في هذا المجال كثيرة جدا.

إن المسؤولية الاجتماعية للشركات، لا يجب أن تمارس بالعرف ودافعية الخير التي جبل عليها الإنسان فقط، دون تأطير أو توجيه يلامس احتياجات المجتمع، بل يجب أن ينتقل مستوى هذه المبادرات من الطابع الخيري العفوي، إلى مشاريع ذات بعد تنموي، تحقق الاستدامة وأهداف التنمية الشاملة وتواجه تحديات المستقبل، وما أكثرها، فالمسؤولية الاجتماعية للشركات قد تتحول إذا ما تم تأطيرها وإثراؤها إلى لبنة أولى لأخلقة التنمية الاقتصادية، ما يتطلب المزيد من العمل والتخطيط والتنسيق بين مختلف المعنيين بضمان الرفاهية للمواطن، وهي في الحقيقة مسؤولية وطنية نتشارك فيها جميعا.

فبلدنا الجزائر الذي عرف شعبه منذ فجر التاريخ بأبهى صور التكافل الاجتماعي، بدأ في الفترة الأخيرة يشكو انحصار هذه المظاهر الاجتماعية، وهو أمر مبرر إلى حد ما خاصة مع تضاعف أعباء الحياة، وانتشار مظاهر العولمة والاستخدام الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، صاحبه جفاء في العلاقات المجتمعية، ابتداءً من أفراد الأسرة الواحدة إلى الجيران مرورا بالعائلة الكبيرة ومختلف العلاقات الاجتماعية، ومقابل كل هذه التحديات وغيرها، عايشنا مبادرات مجتمعية راقية الحس، استحضرت الضمير الواعي والقلب الراحم، والإحساس بالمسؤولية تجاه الآخر، مارسها غالبا أشخاص منفردون، حققوا إنجازات وقدموا خدمات جليلة لمجتمعهم ومحيطهم، ما يدفعنا إلى التساؤل اليوم لماذا تغيب المبادرات الاجتماعية الكبرى من القطاع الاقتصادي حكوميا كان أو خاصا، وهل يعقل أن يضيق الجمع ويتسع المفرد؟.
__________________________

المصدر: http://elhiwardz.com/
المسؤولية الاجتماعية بالجزائر - مراد ملاح.

مقال
بواسطة:
الشبكة السعودية للمسؤولية الاجتماعية
إدارة الشبكة