الأربعاء 13 ربيع الثاني 1441 الموافق ديسمبر 11, 2019
 

الجامعة ودورها في نشر ثقافة المسؤولية الاجتماعية

السبت, 24 ديسمبر, 2016

محمد قيراط:

برعاية كريمة من سعادة الشيخ عبدالله بن سعود آل ثاني تم تنظيم مؤتمر وتوزيع جوائز المسؤولية الاجتماعية في نسخته الرابعة بالعاصمة القطرية الدوحة ما يدل على اهتمام دولة قطر بهذه الممارسة والنشاط المحوري والمهم من قبل المنظمات والمؤسسات التي لا تهتم بتحقيق الأرباح فحسب وإنما تصهر على المساهمة في التنشئة الاجتماعية والتنمية المستدامة وتطوير الفرد والمجتمع في مختلف مناحي الحياة، ثقافية، علمية، رياضية، صحية، بيئية...إلخ. فالمسؤولية الاجتماعية هي المسؤولية المجتمعية، المسؤولية تجاه الآخرين، المواطنة والانتماء، الحرية والمشاركة السياسية وكذلك التعددية والانفتاح. رافق المؤتمر وتوزيع الجوائز النسخة الرابعة من الكتاب الأبيض الذي يوثق بالبيانات والأرقام ممارسة المسؤولية الاجتماعية في دولة قطر ويقدم التقارير السنوية للشركات عن أدائها في مجال المسؤولية الاجتماعية خلال عام وكذلك أهم الممارسات على الصعيد الدولي.

إن شمولية المسؤولية الاجتماعية تقتضي التركيز على أربعة جوانب رئيسية تتمثل في المجال الاقتصادي، والقانوني، والأخلاقي، والخيري، مما يعني ضرورة توظيف الأبعاد الأربعة للمسؤولية الاجتماعية بشكل هرمي متسلسل لتوضيح الترابط بينها. فلا يمكن أن نتوقع من منظمات الأعمال مبادرات خيرية ومسؤولة إذا لم تكن هذه المنظمات قد قطعت شوطًا في إطار تحملها لمسؤولياتها الاقتصادية والقانونية والأخلاقية تجاه المجتمعات التي تعمل فيها. فإذا كانت المنظمة لا تحترم حقوق العمال ولا تحترم المستهلك ومواصفات السلعة أو الخدمة وتدعي أنها تخصص موازنات كبيرة للمسؤولية الاجتماعية فهذا يتناقض مع الأسس والمبادئ التي تقوم عليها المسؤولية الاجتماعية. ففي عالم اليوم نقرأ الكثير عن استغلال الأطفال في فيتنام وسريلانكا والهند وغيرها من دول من قبل شركات عالمية تتغنى بحقوق العمال وحقوق الإنسان وعطائها الكبير في مجال المسؤولية الاجتماعية.

يتحدد دور الجامعات في بناء القدرات ونشر ثقافة المسؤولية الاجتماعية على أسس علمية توضح كيفية قيامها بهذا الدور المجتمعي والمؤسسي المهم، كما أن هذا الدور الذي يسند إلى مؤسسات التعليم العالي يكون في إطار أخلاقي وإطار مؤسسي، لأن الجامعات ترتبط مع المجتمع بمسؤولية اجتماعية ودور مُجتمعي يفرضه عليها دورها المحوري في تكوين الموارد البشرية المؤهلة علميا وأخلاقيا والملتزمة والمسؤولة على تطوير المجتمع والمساهمة في التنمية المستدامة بجميع مجالاتها ومناحيها. فالمسؤولية الاجتماعية هي حب الوطن والتفاني في العمل والإخلاص للآخرين واحترامهم. الواقع أن المسؤولية الاجتماعية في الوطن العربي سبقت الجامعات في الميدان حيث تجدها لا تكاد تذكر في المقررات والمناهج والدراسات والبحوث رغم أن شركات عديدة تتبناها وتمارسها في أرض الواقع. فالواقع الأكاديمي العربي بالنسبة للمسؤولية الاجتماعية يبين حجم المعاناة، ومثال على ذلك نلاحظ أن إسرائيل أنجزت من عام 2010 إلى عام 2016 (141) دراسة حول المسؤولية الاجتماعية، يُقابلها 17 دراسة فقط في الوطن العربي. أما في الولايات المتحدة الأمريكية فهناك 552 جامعة تُدرس المسؤولية الاجتماعية من خلال 718 مقررا، بالمقابل نجد 6 جامعات فقط في الوطن العربي تدّرس المسؤولية الاجتماعية ولا يوجد مقرر واحد يختص بالمسؤولية الاجتماعية بشكل مباشر. بل مجرد مناهج لمواد مختلفة لها علاقة غير مباشرة بالمسؤولية الاجتماعية.

تهدف مؤسسات التعليم العالي إلى غرس المفاهيم المجتمعية لدى الطلاب. إلى جانب تعزيز مفاهيم المعرفة والبحث العلمي. فالهدف الإستراتيجي لمؤسسات التعليم العالي هو إيجاد مواطنين صالحين لهم مشاركة فعالة في مؤسسات المجتمع، ولديهم رؤية صحيحة في الحكم على الأشياء، وتكوين الاتجاهات الموضوعية حول الجوانب المهمة في البيئة المحلية والعالم الخارجي. وقد تكون جدلية العلاقة بين الفرد والمؤسسة والمجتمع هي الأساس التي تنطلق منه فلسلفة المسؤولية الاجتماعية، فهل تقع المسؤولية على عاتق الفرد، أم المؤسسة، أم المجتمع؟. والإجابة هنا هي الأطراف الثلاثة مجتمعة. فحينما نلقي المسؤولية على الأفراد في تحمل الأعباء، أو حماية المصلحة العامة وصيانتها دون وجود علاقة بقدر كافٍ بين الفرد والمؤسسة والمجتمع، فإن دور الفرد يكون ناقصًا ولا يمكن أن يؤدي بطريقة منتجة وإيجابية. لهذا يوجد في جميع المجتمعات المتقدمة خطط إستراتيجية وطنية تنمي الإحساس بالانتماء والهوية، والتعريف بمفاهيم المواطنة والحقوق والواجبات، وتنمية المعارف والقدرات والقيم والاتجاهات والمشاركة في خدمة المجتمع، إلى جانب إعداد المواطن وفقًا للظروف المحلية والإقليمية. ونظرًا لهذه العلاقة الوثيقة بين الفرد والمجتمع، والعلاقة الجدلية بينهما فإنه لابد من وجود مؤسسات تعمل على تنظيم هذه العلاقة، من أهمها الجامعات التي تلعب دورًا مهمًا في تربية شباب صالحين في المجتمع من خلال تعزيز المفاهيم المختلفة عن هذه العلاقة المجتمعية، ومنها مفاهيم المسؤولية الاجتماعية التي تشمل متغيرات عديدة تدور حول المسؤولية الأخلاقية، والمسؤولية تجاه الذات، والمسؤولية تجاه الآخرين والمجتمع، والعالم الخارجي والمحافظة على البيئة، إلى جانب المسؤولية الاقتصادية والقانونية.

على المستوى العالمي نستطيع القول إن الجامعات الأمريكية أسهمت في نشر ثقافة المسؤولية الاجتماعية من خلال الدراسات والأبحاث والبرامج والتخصصات والمقررات التي تطرحها في برامج إدارة الأعمال وعلم الاجتماع والإعلام والخدمة الاجتماعية مما أدى إلى رفع نسبة الوعي بالمسؤولية الاجتماعية إلى ما يقارب من نسبة 43%. وهناك أيضًا التجربة الدنماركية والتي تتمثل في إنشاء مدرسة كوبنهاجن للإدارة CBS والتي كانت منصة علمية لمبادرات بحوث المسؤولية الاجتماعية والتجربة البريطانية والتي تتمثل في المركز الدولي للمسؤولية الاجتماعية الذي قدم ما يزيد على 2000 دراسة تتعلق بالمسؤولية الاجتماعية، والتجربة الهولندية والتي تتمثل فيما يُسمى بالمكتب الأخضر الذي وظف ما يزيد على 20 ألف شخص خلال الفترة من 2010 إلى 2016 وتتجلى أهمية المسؤولية الاجتماعية في التجربة الماليزية ولعلها من أبرز الدول الإسلامية اهتمامًا بهذا المجال حيث تقرر استحداث منصب بالجامعات الماليزية وهو نائب رئيس الجامعة للمسؤولية الاجتماعية لإبراز مدى أهمية المسؤولية الاجتماعية في الحياة الأكاديمية ومختلف مجالات الحياة.

وهناك أكثر من منظور لعملية تدعيم المسؤولية الاجتماعية، فهناك مثلا المنظور الأمريكي والذي يتمثل في تخصيص كل شركة أو مؤسسة جزءا من أرباحها لدراسة المسؤولية الاجتماعية، وهناك منظور آخر يقول بأن المسؤولية الاجتماعية مسؤولية تكاملية لا تتمثل فقط في المال ولكن تتمثل في تحديد الرؤية والأهداف والأسلوب والمجتمع، ومنظور أخر يقول بأن الارتقاء بالمسؤولية الاجتماعية يعتمد بشكل أساسي على الممارسة الميدانية والعملية للمسؤولية الاجتماعية من خلال استقصاء الواقع الاجتماعي والتفاعل من خلال الحياة اليومية، كما أنه يجب تخصيص ميزانية خاصة بالمسؤولية الاجتماعية لتدعيمها عمليًا وأكاديميًا.
_________________________
المصدر: http://al-sharq.com/

مقال
بواسطة:
الشبكة السعودية للمسؤولية الاجتماعية
إدارة الشبكة