الثلاثاء 2 ربيع الأول 1439 الموافق نوفمبر 21, 2017
 

دخول المستخدم

آخر الأخبار

استطلاع رأي

ما رأيك بالموقع الجديد للشبكة السعودية للمسؤولية الاجتماعية؟

الشركاء

المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات: أي واقع لها في لبنان؟ وأي آفاق للتقدم؟

الاثنين, 10 أكتوبر, 2016

25 أيلول ... اليوم العالمي لل"مسؤولية الاجتماعية للمؤسسات"
أي واقع لها في لبنان؟ وأي آفاق للتقدم؟

د. سهام رزق الله -أستاذة محاضرة في جامعة القديس يوسف في كلية العلوم الاقتصادية
"المسيرة" 24-09-2016

يوم 25 أيلول يصادف اليوم العالمي لل"مسؤولية الاجتماعية للمؤسسات" وهو المفهوم الذي يحدث ثورة في عالم الاقتصاد الجديد فارضا على المؤسسات الراغبة باتباعه أن تأخذ بعين الاعتبار حاجات ومصالح المجتمع الذي تعمل فيه بدلا من حصر اهتمامها بزيادة أرباحها الخاصة فقط. فما هي خلفية تطور مفهوم "المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات" وأي قراءة لواقعه وآفاقه في لبنان؟

**********************
المسؤولية الاجتماعية كتعريف سريع ترتكز على اهتمام المؤسسة خلال تأدية عملها بالحرص على الاستجابة لحاجات المجتمع الذي تعمل فيه والمساهمة بتنميته المستدامة وليس فقط على تحقيق الأرباح.
أما الأفرقاء المعنيين بالاستجابة الى حاجاتهم فهم مختلف العملاء الاقتصاديين المعنيين بعمل المؤسسة من موظفين، زبائن، مؤسسات منافسة، إدارات عامة، هيئات مدنية من جمعيات ومنظمات غير حكومية، وسائل إعلام ... تربطها بالمؤسسة عقود عمل أو قوانين مرعية الاجراء أو أنها تتأثر بنشاط المؤسسة وتؤثر فيه من خلال تواصلها مع الرأي العام... فيكون على المؤسسة المسؤولة إجتماعيا أن تحدد حاجات المجتمع الذي تعمل فيه وأولويات المشاريع التنموية المطلوبة لتتمكّن من إدراجها ضمن استراتيجياتها.
هكذا ترتقي المؤسسة من العمل الخيري الذي ينتهي مفعوله بشكل آني (مثل تقديم مساعدة مالية لجمعية تعنى بالمقعدين في منطقة معينة) لتلتزم بالاستجابة الى الحاجات التنموية المستدامة للمجتمع (مثل تأمين البنى التحتية المناسبة لتنقلهم وتوظيفهم في مشاريعها التنموية المستدامة في مختلف مناطق إنتشارهم بحيث يصبحون مستقلين ماليا عن ذويهم ولا يعودوا بحاجة للمساعدات الخيرية).

ثمة تطبيقية عديدة للانتقال من التبرع إلى العطاء الذكي من خلال برامج المسؤولية الاجتماعية:
مجالات برامج المسؤولية الاجتماعية المجال الفرعي

برامج البيئة الداخلية - برامج المنتجات والعمليات (الحرص على الأثر البيئي لكل مشروع)
- برامج للسلامة والبيئة والصحة العامة (التشجير، تنظيف الشواطئ...)

برامج المشروعات الصغيرة - برامج إنشاء المعاهد لأغراض المسؤولية الاجتماعية
- برامج مشاريع التسويق للمنتوجات المحلية للمنطق الريفية، السياحة الريفية...
- برامج مشاريع النقل والتوزيع (نقل مشترك ورحلات للمناطق الطبيعية..)

البرامج الاجتماعية - برامج المسجونين وأسرهم : - برامج المعاقين - برامج رعاية الأطفال
- برامج مساعدة المرضى - برامج رعاية اليتيم - برامج كبار السن - برامج الأسر الأكثر حاجة - برامج التوعية الاجتماعية (ضد المخدرات، الإدمان بشكل عام...)
البرامج التعليمية والتأهيلية - برامج التعليم والرعاية الموهوبين - برامج التدريب المستمر لموظفي المؤسسات

البرامج الاقتصادية
- برامج القروض الحسنة - برامج صناديق تأسيس مشاريع المسؤولية الاجتماعية
- برامج تمويل مشاريع المسؤولية الاجتماعية

البرامج الثقافية والاعلامية -برامج المكتبات العامة - برامج المراكز الثقافية - برامج الأندية الأدبية والثقافية
- برامج المعارض الثقافية - برامج الندوات الثقافية

البرامج الصحية -برامج العيادات المتنقلة - برامج الرعاية الصحية - برامج العلاج بالمجان
- برامج الصيدليات المتنقلة - برامج الادمان والتدخين برامج الأمراض المزمنة

في الواقع وبعدما تفاقمت الأزمات الإجتماعية الى حدّ تسجيل عدم قدرة الدولة على الإستجابة لوحدها الى الحاجات الإنسانية والإجتماعية للفرد أو الجماعة، ظهر بوضوح ان الهمّ الإجتماعي بات مسؤولية مجتمعية يتشارك فيها الجميع وفي مقدمهم قطاعات الإنتاج التي تعتبر العامود الفقري للإقتصاد، فتظهّر دور المنظمات غير الحكومية ودور المجتمع المدني كما تبلور حديثا مفهوم المسؤولية الاجتماعية وتطوّر بسرعة ليصبح من أهمّ المبادئ التنموية على المستويين الإجتماعي والإقتصادي، فكان من الطبيعي ازدياد إهتمام المؤسسات والشركات في ولوج هذا الباب إسهاماً في مداواة الحاجة الإجتماعية من جهة، وترسيخاً للعلاقة التوازنة الضرورية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، مع التأكيد على إضطلاع الدولة بمسؤولياتها كإطار ناظم وشريك أساسي في المهمة في إطار ما يعرف بالشراكة بين العام والخاص (PPP).

ولعل خير دليل على تنامي هذا الدور ما أظهرته الإحصاءات الصادرة عن منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي ( OECD) من أن مساهمات منظمات المجتمع المدني تراوحت بين 6-7 بلايين دولار سنوياً في أواخر القرن العشرين. إنطلاقاً من هذا الواقع قرّرت الشركات والمؤسسات الوازنة في الإقتصاد ـ وعلى المستويين المحلي والخارجي ـ الإضطلاع بدور متنام ٍ في المسؤولية الإجتماعية وبلغ هذا الدور حداً تنظيمياً متجانساً مع الحداثة، فتطورت التقديمات من عطاء عشوائي غير منظم وغير محدد الهدف الى دور تنموي أساسي يشكل جزءاً لا يتجزأ من أنشطتها، يعتمد على خطط ـ برامج، منظمة، وواضحة الأهداف والمعالم لمساعدة المجتمع والمشاركة في العملية التنموية بشكل فعال، يفضي الى كسب ثقة المجتمع وبالتالي ضمان النجاح في تحسين الأوضاع الإجتماعية وتثبيت الإستقرار الإجتماعي الإقتصادي المرجو.
على النطاق العربي، بدأ الاهتمام بالمسؤولية الإجتماعية يتنامى وقد أنشئت المنظمة العربية للمسؤولية الإجتماعية، التي تهدف الى رفع مستوى التعاطي مع مفهوم المسؤولية الاجتماعية على المستوى المحلي وتحويلها الى مستوى المفهوم الاستراتيجي في عمل البلديات والحكومات العربية وتعزيزها من خلال الادارة الحكيمة وتعميم ثقافتها عبر كافة الوسائل المتاحة فضلا عن تكريم المؤسسات الرسمية والحكومية الحائزة على شهادات الجودة العالمية"أيزو" في مجال المسؤولية الاجتماعية...
وقد بدأت بلدان عربية عديدة إدراج المسؤولية الإجتماعية في صلب استراتيجيات مؤسساتها:
ففي مملكة البحرين، شكلت وزارة الصناعة والتجارة عبر إدارة المواصفات والمقاييس لجنة فنية لدراسة مشروع المواصفات الدولية للمسؤولية الاجتماعية. وفي سلطنة عمان، تقوم الشركات الخاصة مع المؤسسات الحكومية بدور اجتماعي ملحوظ لمساعدة ذوي الدخل المحدود. أما في الأردن، فهنالك مشروع بناء المنتدى الأردني للمسؤولية الشركات الاجتماعية. كما تم تأسيس أكاديمية الإمارات المتحدة للمسؤولية الاجتماعية للشركات في أبو ظبي. في حين تميّزت المملكة العربية السعودية بالعديد من نماذج وبرامج المسؤولية الاجتماعية التي تقوم الشركات السعودية بتنفيذها. وفى مصر وضعت إستراتيجية دعم وطني لمزيد من الانتشار لمبادئ المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات في البلاد.

أما في لبنان، فمن الثابت ان للمجتمع المدني دور كبير يلعبه بالتكامل والتعاون مع القطاعين الخاص والعام، فيما التحدي الأساسي في تحقيق هدفين متوازنين: تأطير دور ومدى عمل المجتمع المدني من ضمن الاستراتيجية التنموية للمؤسسات المعنية تجاه مجتمعها بمختلف مكوناته من جهة، وتأمين الربط والتواصل المفقود بين المشاريع التي تنفذها المنظمات غير الحكومية وتوجيه التمويل المطلوب لها...
مع العلم أن الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية الكبرى في لبنان في السنوات الأخيرة وقلّة الاستقرار السياسي والمؤسسي أظهرت أكثر فأكثر قصور الدولة في الاستجابة للاحتياجات الاجتماعية المختلفة.
كما من المعروف ان العديد من المؤسسات في لبنان كان يعتمد مبدأ " المساعدة الإجتماعية "/ أي العمل الخيري الذي ينتهي مفعوله فور تقديمه دون أن يكون ساهم في تحقيق التنمية المستدامة التي تؤمنها برامج المسؤولية الاجتماعية (مبادرات لتأمين منح مدرسية وجامعية لمتفوقين غير قادرين على تسديد أقساطهم، مساعدات طبية لحالات إستثنائية مكلفة لا تشملها تغطية وزارة الصحة، أو حالات إجتماعية صعبة يتم تسليط الضوء عليها في وسائل الإعلام طلباً للمساعدة، الخ) أو على مساهمات في أعباء وطنية كبرى كمثل ما حصل بعد إنتهاء عدوان تموز 2006 على لبنان، حين أخذت بعض المصارف على عاتقها إعادة بناء بعض الجسور المهدّمة، والبنى التحتية المدمّرة، وبعض المقومات الإقتصادية التي قوّضها العدوان). اليوم، بات من الضروري الإرتقاء بدور الشركات والمؤسسات التي تشكل العمود الفقري للإقتصاد الوطني ليصبح إلتزاماً بالمساهمة في التنمية المستدامة من خلال العمل مع المجتمعات المحلية لتحسين مستوى معيشة الناس بأسلوب يخدم الاقتصاد ويخدم التنمية في آن واحد، ولا سيما بعد صدور المواصفة العالمية ISO 26000 خلال تشرين الأول 2004 والتي تضمنت معايير المسؤولية الإجتماعية، ولا سيما في الجوانب الثقافية والإجتماعية الحضارية، إضافة الى الجانبين البيئي والقانوني، والشروط المتعلقة بالتنمية الإقتصادية.
وبغية دراسة تحديات المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات في لبنان ، أجري مسح نوعي من قبل الباحث، كاتب هذا المقال، مع عينة من 18 مؤسسة لبنانية معروفة بمشاركتها الفعالة في تطبيق المسؤولية الاجتماعية (بنك عودة بنك البركة، البنك اللبناني للتجارة، بنك بيبلوس، فرانسبنك، بنك البحر المتوسط، بنك لبنان والمهجر، البنك اللبناني – الفرنسي، بيكاسو، فتال، مؤسسة الخطيب والعلمي، مؤسسة الجميل للصناعات الورقية، كسارا، البناء، هولسيم، أم تي سي للاتصالات، ألفا، أ ب س. وقد تم اختيارها على النحو التالي:
من جهة، تم اختيار تسعة مؤسسات كانت اختارتها مؤسسة ليبنور ضمن برنامجها لتعزيز تطبيق معايير أيزو للمسؤولية الاجتماعية. مع العلم أن ليبنور اختارت 14 مؤسسة (بما في ذلك بلدية ومدرسة وجامعة، في حين اكتفينا بالتواصل مع 11 مؤسسة لإعداد دراستنا وقد تجاوب من بينها 9 مؤسسات)
ومن جهة أخرى، تم اختيار تسعة مؤسسات لم تشارك في مشروع ليبنور ولكنها تعمل على تطوير معايير المسؤولية الاجتماعية لديها بشكل مستقل (لديها وحدات خاصة بالمسؤولية الاجتماعية للمؤسسات أو تطبق مشاريع المسؤولية الاجتماعية للشركات من خلال إدارة الموارد البشرية أو التواصل والتسويق ...). وتنشر مشاريع المسؤولية الاجتماعية للشركات على موقعها على الانترنت أو في تقاريره السنوية الرسمية.
وقد أظهرت الدراسة أن ثمة صعوبات كبرى في جمع المعلومات حول المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات في لبنان نظرا لكون جميع المبادرات المتخذة في هذا المجال لا تزال طوعية وخاصة وتعتمد على تقييم خاص ومستقل في غياب منصة جامعة أو هيكلية تنسيق وتحديد للأولويات المطلوبة. ولكن تجدر الإشارة الى أن مبادرة المؤسسات الخاصة المذكورة متقدمة جدا إن من حيث الاعتماد على وحدات خاصة باختيار وتنفيذ ومتابعة المشاريع المتصلة بالمسؤولية الاجتماعية أو من حيث تنوع مجالات التدخل الاجتماعي-التنموي الذي تعتمده (التعليم، الصحة، البيئة والتنمية المستدامة بشكل عام). وقد أثبتت هذه المؤسسات اللبنانية الرائدة نفسها في متابعة مستجدات الأبحاث والدراسات في مجال المسؤولية الاجتماعية وقد تمكّن بعضها من إعداد تقارير سنوية حول مشاريع المسؤولية الاجتماعية التي يدعمها كما بدأ بعض منها أيضا باعتماد موازنة سنوية خاصة لمشاريع المسؤولية الاجتماعية بما يعكس التزاما واضحا باستدامتها...
إلا أن المسؤولية الاجتماعية بشكل عام في لبنان لا تزال تفتقد للتنظيم المؤسساتي في غياب أي توجيه أو أي نظام مؤشر قياس أو شهادة تقدير للمؤسسات التي تقدّم منتجات أو خدمات وفق المعايير الدولية للمسؤولية الاجتماعية. ويبدو ملحا إيجاد منصة جامعة للمسؤولية الاجتماعية تسمح بتطوير المسؤولية الاجتماعية للشركات وبتلاقي ممثلين من قطاع الأعمال والمنظمات غير الحكومية والنقابات والمستثمرين لمناقشة القضايا المتعلقة بالمسؤولية الاجتماعية للشركات ومساهمتها في التنمية المستدامة ..ويؤمن توحيد الجهود الخاصة والعامة وكذلك الجهود التي يبذلها المجتمع المدني من خلال التشبيك بين المنظمات غير الحكومية المحلية والوكالات المانحة المحلية والدولية ....
ويكون بإمكان هكذا منصة مشتركة للمسؤولية الاجتماعية أن تموفّق بين الأبحاث النظرية والمعطيات العملية للمؤسسات وتسمح بتفادي الازدواجية في الوقت والكلفة والمجهود. كما يسمح التنسيق بين المؤسسات المعنية بالمسؤولية الاجتماعية بالاضاءة على أولويات حاجات المجتمع وسبل الاستجابة لها وتقييمها وفق مؤشرات علمية واضحة.
وأكثر من ذلك، قد يكون تأسيس هكذا منصة يشكّل مساحة تلاقي وحوار إقتصادي- إجتماعي بين القطاعين العام والخاص وبين العالمين النظري العلمي والتطبيقي العملي بما يفتح المجال لفرص عمل وتنمية واسعة للأجيال القادمة.
فضلا عن أن وجود هيئة متابعة ومراقبة وتواصل إعلامي من شأنه أن ينعكس إيجابا على المؤسسات الراغبة بالانخراط بالمسؤولية الاجتماعية، الأمر الذي يشجّع المؤسسات المنافسة على الحذو حذوها أقلّه دفاعا عن حصّتها في السوق. وبالتالي تكون المسؤولية الاجتماعية أسست لتحفيز المؤسسات على التطلّع الى حاجات ومطالب المجتمع الذي تعمل وتربح فيه ولو انطلاقا من ركائز المنافسة الاقتصادية المشروعة.
ويبقى أنه رغم تقدم المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات في لبنان، لا يزال نموّها بطيئا بالمقارنة مع المحيط العربي حيث تلعب الدولة دورا بارزا في إدخال وتطوير المسؤولية للمؤسسات. إلا أن لبنان لطالما تميّز بمبادرة القطاع الخاص حتى في المواضع التي تستدعي التنسيق مع القطاع العام والمجتمع المدني لتعزيز التنمية المستدامة. لكن يبقى أن يتم السعي لإيجاد المنصة الجامعة للمسؤولية الاجتماعية لتوحيد الجهود المقدمة في هذا المجال وتوجيهها بما يكفل تقدمها وتأمين أفضل النتائج المرجوة منها.

مقال
بواسطة:
باحثة وأستاذة محاضرة في جامعة القديس يوسف في لبنان
عضو منذ: 24/09/2016
عدد المشاركات: 18