الاثنين 11 ربيع الثاني 1441 الموافق ديسمبر 9, 2019
 

التمويل الإسلامي بين تعظيم الربحية والمسؤولية الاجتماعية . الكاتب : محسن عادل

الخميس, 11 أغسطس, 2016

تواجه مناطق عدة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا جلبة بشأن الآفاق والتوقعات المستقبلية للتمويل الإسلامي، حيث تداولت عدة تقارير إخبارية توقعات بنمو الحصة السوقية للصيرفة الإسلامية في مصر إلى 35 % خلال السنوات الخمس المقبلة في حين أنها تبلغ حاليا 5 %، وذلك نتيجة للتغيير في السياسات العامة؛ كما ينصب الكثير من اهتمام أوساط التمويل الإسلامي على الأسواق الأصغر نسبياً، مثل سلطنة عمان والمملكة المغربية، ويشير المراقبون للاسواق المالية، ومنهم عدة باحثين من بنك كريدي سويس، إلى دور التمويل الإسلامي كمصدر محتمل لدعم النمو الاقتصادي في دول الربيع العربي.

وفي خضم هذه الجلبة يجب ان نتسائل هل سيساهم هذا النمو للتمويل الإسلامي في علاج مشكلة البطالة المرتفعة بين صفوف الشباب العربي؟
تعتبر البطالة التحدي الأكبر لمنطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، بينما قد يصعب تقدير حجم المبالغة في وقعها والآثار الاجتماعية والاقتصادية المترتبه عليها، وتقدر بطالة الشباب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنسبة 24.8 % مقارنة مع المتوسط العالمي البالغ 12.6 % فقط وفقاً لتقرير اتجاهات العمالة العالمية 2011 الصادر عن منظمة العمل الدولية.
ويدور النقاش حول ماهية القطاعات التي يمكنها أن تحقق أعلى نمو لفرص العمل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتشير الاراء الى قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ولكن تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة عوائق أهمها محدودية فرص الحصول على التمويل، وفقاً لنتائج بحث أجراه البنك الدولي، لذا ترفع الجلبة الدائرة حول آفاق التمويل الإسلامي مستوى التوقعات بمقدرته على معالجة مشكلة البطالة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عن طريق المساهمة في تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة ضعيفة التمويل.
وبالتالي خلق فرص العمل. ولكن هل تعتبر المساعدة على خلق فرص العمل مسؤوليةً اجتماعية للشركات الربحيه المملوكة من قبل مساهمين، والتي تقدم الخدمات المالية الإسلامية ؟ أو يمكن اعتبارها مسؤولية جهات أخرى كالحكومة ومؤسسات التنمية المالية؟
ليس السؤال: «هل يستطيع التمويل الإسلامي حل مشكلة البطالة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟ « فهو لا يستطيع ذلك، فحتى الحكومات تجد في ذلك التحدي كبيراً، وما التمويل الإسلامي إلا جزءا صغيرا من القطاع المالي، ولكن السؤال هو ما إذا كان على قطاع التمويل الإسلامي أن يسعى للمساهمة في معالجة البطالة كجزء من استراتيجية أعماله بدلاً من اعتبارها نتيجة ثانوية لأنشطته.
إذا كنت من أتباع الخبير الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل ميلتون فريدمان، فإنك قد تعتقد أن معالجة البطالة ليست من اعمال التمويل الهادف إلى الربح، فوفقاً لفريدمان، تتمثل المسؤولية الاجتماعية للشركات في زيادة أرباحها، كما أكد في مقالته التي نشرتها مجلة نيويورك تايمز عام 1970، إن الحجة الأساسية لفريدمان بسيطة و لكنها قوية: على إدارة الشركات المساهمة الربحية أن تفعل ما انشئت هذه الشركات من أجله ألا وهو تحقيق أكبر قدر من الأرباح للمساهمين.
غالباً ما يجري استدعاء حجة فريدمان تلك في قطاع التمويل الإسلامي، ففي إحدى المدونات، كتب أحد ممارسي التمويل الإسلامي من لندن ما يلي: إن مزودي الخدمات المالية الإسلامية، سواء كانوا مصارف أو شركات التأمين الاسلامية (تكافل)، أو مديري الأصول أو صناديق التمويل العقاري هم في العادة شركات مساهمة، ووفقاً لذلك فإن مسؤوليتهم الرئيسية هي تعظيم قيمة حقوق المساهمين أثناء أداء أعمالهمم تحت اشراف هيئة الرقابة الشرعية، ويجب بالتالي على شركات الخدمات المالية الإسلامية أن توجه جميع نفقاتها نحو بناء اعمالها سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
ويختلف رأي هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية بشأن المسؤولية الاجتماعية للشركات بعض الشئ، وهي الهيئة التي تضع معايير التمويل الإسلامي ومقرها البحرين، فمعايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية بشأن المسؤولية الاجتماعية للشركات لا تقتصر ببساطة على العمل بمسؤولية في الأنشطة المعتادة- أي وفق المفهوم الشائع بشأن المسؤولية الاجتماعية للشركات- بل إنها تذهب بعيداً وعميقاً جداً وبنشاط باتجاه أعمال الخير.
فعلى سبيل المثال تتضمن سلوكياتها الإلزامية تقييم الأثر المحتمل للتمويل على الاقتصاد والمجتمع والبيئة في حين تتضمن سلوكياتها الطوعية المقترحة مساعدة الشركات الصغيرة والشركات متناهية الصغر.
وتشير بعض الرسائل القادمة من المؤسسات المالية الإسلامية إلى أن وجودها لا يرتبط فقط بتعظيم ثروة المساهمين، فعلى سبيل المثال، يقول بيت التمويل الكويتي (بيتك)، التي تعمل في القطاع المالي الإسلامي، إنه في عام 2010 بادر إلى أنشطة خيرية عديدة، من بينها التبرع بمليوني دولار أميركي لضحايا الفيضانات في باكستان، وواضح أن التبرع بهذا المبلغ للفقراء في بلد لا يعمل فيه بيت التمويل الكويتي لن يزيد ثروة المساهمين في بيت التمويل الكويتي، لا بشكل مباشر ولا غير مباشر.
وتختلف معايير المسؤولية الاجتماعية للشركات لدى هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية والعمل الخيري اختلافاً جوهرياً عن بعض المفاهيم الحديثة حول المسؤولية الاجتماعية للشركات، فعلى سبيل المثال تقول شركة جولدمان ساكس في تقريرها للعام 2011 بشأن البيئة والمجتمع والحوكمة: نحن نعّرف قيمتنا الاجتماعية من خلال إسهامنا في جعل الأسواق راسخة والاقتصاد قوياً، وهذه المفاهيم الحديثة بشأن دور الشركات في المجتمع ستعتبر على الأرجح متفقة مع موقف فريدمان من تعظيم الأرباح.
السؤال هل ينبغي على التمويل الإسلامي اتباع موقف فريدمان أم يجب أن ينحاز إلى تبني القضية الاجتماعية ومعالجة البطالة؟
لكل من الخيارين تحدياته، فتلك الشركات الراغبة بمعالجة البطالة على أساس مستدام تحتاج من أجل القيام بذلك إلى تفويض واضح من المساهمين وأصحاب الحسابات، أما الشركات الراغبة بالاكتفاء بتعظيم الأرباح فقط فقد تجد صعوبة في الحفاظ على دعم المجتمع وصناع السياسة.
يستخدم مصطلح إسلامي، كأي مصطلحات أخرى مثل مسؤول أو مستدام أو أخلاقي، والتي تستخدم بانتظام في مجال التمويل ولكنها لا تعني الشئ نفسه لدى الجميع. فبالنسبة للبعض، قد لا يعني هذا المصطلح سوى تجنب تمويل الأعمال التي تنطوي على معاصي – مثل شرب الخمر ولعب القمار – وإعطاء القروض على شكل عقود إيجار أو بيع مع الاحتفاظ بالقيمة الاقتصادية الكاملة لتلك الممتلكات، ذلك هو نهج الحد الأدنى والنهج الشكلي، وهو نهج لا نستطيع القول إنه غير شائع.
ولكننا نوضح الكثير من الانتقادات التي كثيرا ما توجه إلى هذه الصناعة، ومن الأسلم أن نفترض أن هناك آخرين، وخاصة أنصار التمويل الإسلامي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يفهمون من مصطلح إسلامي ما هو أكثر من ذلك، ولكن يبقى تعريف «أكثر» غير متبلور، وهنا تساعدنا معايير المسؤولية الاجتماعية للشركات لدى هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية على فهم بعض التوقعات المرتبطة بذلك.
لقد لعب التمويل الإسلامي دورٍاً رئيسياً في تسهيل تحقيق زيادات إضافية في تدفقات التجارة والاستثمار بين أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط خاصة دول مجلس التعاون الخليجي. ويشار إلى أن التجارة بين البلدان الأفريقية وبقية العالم خلال العقد الماضي نمت بشكل ملحوظ، محققة زيادة قدرها 170٪ في التبادل التجاري مع دول مجلس التعاون الخليجي.
نتيجة لتعديلات السياسة الأخيرة، والتغييرات التنظيمية، والإصلاحات الاقتصادية في الأسواق الرئيسية في القارة، أعادت أفريقيا ترتيب مكانتها كثالث أسرع منطقة نمواً في العالم، بعد منطقتي الشرق الأوسط وآسيا. وقد أدى إبرام العلاقات التجارية الأفريقية مع بقية العالم في زيادة اهتمام المستثمرين على الصعيد العالمي بالمنطقة.
كما أسهم التوسع السريع في الاقتصادات الكبرى في المنطقة أيضاً في التأكيد على الحاجة إلى الاستثمار بقوة في تطوير البنية التحتية الحيوية. وتسلّط هذه العوامل الضوء على الفرص الهائلة التي تقدمها أفريقيا للنمو في مجال التمويل الإسلامي وتشير أيضاً إلى الكيفية التي يمكن بها للتمويل الإسلامي أن يلعب دوراً رئيسياً في تحفيز التنمية الاقتصادية في المنطقة.
وقد ساعد التحول الملموس للبلدان الأفريقية من كونها دولاً تعتمد على المساعدات إلى زيادة العلاقات التجارية والاستثمارية مع بلدان منطقة الشرق الأوسط التمويل الإسلامي في لعب دورٍ رئيسي في تسهيل تحقيق زيادات إضافية في تدفقات التجارة والاستثمار بين أفريقيا والشرق الأوسط. وتعد هذه المسألة أكثر أهمية بالنظر إلى الصلات القوية بين التمويل الإسلامي بطبيعته والنشاط الاقتصادي الحقيقي والقدرة على توفير التمويل اللازم لمجالات رئيسية مثل الشركات الصغيرة والمتوسطة وتمويل المشاريع.
ومن المتوقع أن يكون الاهتمام المتزايد من المستثمرين الخليجيين من حيث نشاطات الاستحواذ على الأراضي الزراعية بالإضافة إلى قاعدة المستثمرين المتنامية في آسيا، ولاسيما في مجال التصنيع، بمثابة قوة دافعة جديدة لنمو اقتصادات القارة.

مقال
بواسطة:
الشبكة السعودية للمسؤولية الاجتماعية
إدارة الشبكة