الأربعاء 13 ربيع الثاني 1441 الموافق ديسمبر 11, 2019
 

المسؤولية الاجتماعية آلية من آليات الضبط الاجتماعي

الأربعاء, 17 أبريل, 2019

.
............ من المواضيع المهمة لاستقرار سياسة الدولة هو موضوع الضبط الاجتماعي. في بداية القرن العشرين كانت الضوابط الاجتماعية صارمة وحازمة ومرعبة وقاسية عاكسة المرحلة التقليدية المحافظة التي عاشتها المجتمعات الإنسانية في ذلك الوقت، لكن بعد الحربين الكونيين الأولى والثانية تغيرت المجتمعات فأمست أكثر انفتاحا على إفرازات الحرب من تحضر وتصنيع وشخصانية مستقلة، وبسبب ازدياد حجم سكان المدن المتأتي من الهجرة إلى المدن الحضرية ظهرت مشكلات اجتماعية عويصة كالجريمة المنظمة وجنوح الأحداث والتفكك الأسري، الأمر الذي أدى إلى انتعاش في تأثير الضوابط الرسمية، فاتجهت الجزاءات من القطب القمعي الردعي إلى القطب العلاجي والإصلاحي والتنسيقي، لاسيما وأن عدد ونوع المشكلات الاجتماعية في المجتمعات الحديثة أضحت متكاثرة مما أرهق وأثقل كاهل الأجهزة الحكومية وجعلها عاجزة من معاقبة كل منحرف عن قوانينها. وبسبب تطور السياسات الاجتماعية الإصلاحية ظهرت ضوابط اجتماعية مرنة ترمي إلى إرقاء الإنسان العصري إلى مرحلة التمدن بدلا من بتره من المجتمع، وتحسن علاقته بدولته بدلا من الدخول في صراعات تمس الأمن والاستقرار الاجتماعي. من أهم هذه السياسات الناجحة سياسة "المسؤولية الاجتماعية" والتي تعد من الأساليب الحديثة للضبط في المجتمعات، ووسيلة مساعدة للقانون في عملية الضبط تجمع بين احترام القانون والامتثال له طواعية، وإعمال القيم والسلوك السـوي.

إن تحمل المسؤولية الاجتماعية صفات يجب أن يتحلى بها كل فرد في المجتمع، فإذا استطاع كل فرد أن يتحمل المسؤولية ارتقى المجتمع وتساند، وإلا فإنه سيتكون مجتمع اتكالي يعزو بمسؤولياته إلى غيره من المجتمعات، وهذا يؤدي إلى حدوث فجوة واضطرابات في المجتمع، لذا يصبح موضوع المسؤولية الاجتماعية قضية تربوية واجتماعية وأخلاقية ودينية وقيمية تستدعي الاهتمام بها داخل البيئات الاجتماعية لما تنطوي عليها من دلالات لحياة الإنسان.

غير أن أداء المسؤولية الاجتماعية على الصعيد القومي لازال ناقصا وغير مكتمل، حيث يعيش المجتمع المدني حالة من الترهل الرخو فيما يتعلق بإدراك وأعباء المسؤولية الاجتماعية، وهو الوعي الذي بدأ يدفع بالمواطن باتجاه المطالبة بضرورة أن يفي كل الأطراف بمسؤوليته، فقد تبدأ سلمية وهادئة، غير أنها قد تنتهي بسلوكيات غير مقبولة، حيث تنتشر مظاهر الاحتجاج والرفض على سطح المجتمع مما يدق نواقيس الخطر حتى يضطلع كل طرف بمسؤولياته لكي لا يتآكل الاستقرار الاجتماعي.

ولا شك أنه في أعقاب الثورات يحدث نوع من الانفلات الأمني والاجتماعي والاقتصادي حتى يشمل مجالات الحياة اليومية من مرور ونظافة ومعاملات وضوضاء وحوادث واضطرابات وإضرابات مما يجعل إحساس الأفراد والدولة ومنظمات المجتمع المدني ومؤسسات الضبط الاجتماعي بالمسؤولية الاجتماعية ضرورة ملحة تتطلبها ظروف هذه المرحلة الحرجة حتى يعم الاستقرار والأمان ومن بعدها النمو والتقدم.

----------------أولا- الترابط بين مفهوم المسؤولية الاجتماعية ومفهوم الضبط الاجتماعي:
تعرف المسؤولية الاجتماعية عموما بأنها إطار أخلاقي وتقترح أن يكون الكيان -سواء منظمة أو فردًا- ملزما بالتصرف لمصلحة المجتمع ككل. حيث أنها واجب والتزام اتجاه المجتمع بشرائحه المختلفة، مع الأخذ في الاعتبار التوقعات بعيدة المدى لهذه الشرائح، كما تتميز بأنها طوعية ومجاوزة للالتزامات المنصوص عليها قانونا. وتتمثل عناصرها في: (الاهتمام، الفهم، المشاركة)
أما بالنسبة لمفهوم الضبط الاجتماعي؛ فهو العملية التي يستطيع المجتمع بواسطتها السيطرة على أفراده وتنظيم سلوكهم من خلال مجموعة من الوسائل بالشكل الذي يؤدي إلى اتساق هذا السلوك مع التوقعات الاجتماعية، والتي تعمل للمحافظة على استمرارية المجتمع ونموه في الأوضاع الاعتيادية وتلافي التخلف الذي يحدث في بعض مؤسساته خلال عمليات التطور التدريجي أو التغير المفاجئ لاسيما أثناء الأزمات الاقتصادية والانقلابات السياسية والحروب والثورات والكوارث الطبيعية .. الخ
وجاء العلماء بعدة وسائل للضبط الاجتماعي أهمهم "روس" الذي حدد هذه الوسائل في خمس عشرة وسيلة مرتبة كما يلي: - الرأي العام - القانون - المعتقدات - الإيحاء الاجتماعي- التربية - التقاليد - دين الجماعة - المثل العليا - الشعائر والطقوس – الفن - الشخصية – التراث - القيم الاجتماعية - الأساطير والأوهام – الأخلاق.
إذن، هناك علاقة ترابط بين المفهومين تتضح من خلال التالي بيانه:

----------------ثانيا- دراسات حول العلاقة بين المسؤولية الاجتماعية والضبط الاجتماعي:
هناك عدة دراسات للتوصل إلى علاقة ذات دلالة إحصائية بين وجهة الضبط وكل من الأبعاد التالية وهي الغيرة على الوطن، والعناية، والشعور بالمسؤولية، والمبادرة، والتعاون. من بين هذه الدراسات اخترنا دراسات أجريت في المملكة العربية السعودية:
- دراسة كريس وديفيد 1985 بعنوان " العلاقة بين وجهة الضبط وسمة الإحساس بالمسؤولية".
- دراسة نادية كمال التيه 1413 هـ بعنوان "المسؤولية الاجتماعية ووجهة الضبط".

----------------ثالثا- متطلبات المسؤولية الاجتماعية في عملية الضبط:
1- الحرية: أي ضرورة شعور الفرد بالحرية وهو يختار الفعل لكي تترتب عليه المسؤولية إذ لا مجال للمسؤولية في عالم تسوده الجبرية؛
2- سلامة القوى العقلية: أي ضرورة ملاءمة القوى العقلية والإرادة لاختيار الفعل المسؤول؛
3- المراقبة: وتعني السلطة الإدارية في الاعتبار القانوني والسلطة الإلهية والضمير في الاعتبار الأخلاقي؛
4- ثبات الهوية الشخصية: وتعني أن يكون للإنسان هوية شخصية محددة عند استخدام فعل ما وتحمله مسؤولية ذلك الفعل، فلا يحاسب على أعماله إن كان فاقدا لهويته الشخصية؛
5-المعرفة: أي معرفة القواعد التي ينبغي السير عليها في السلوك بوجه عام إذ تزداد المسؤولية الاجتماعية بتزايد المعرفة.

----------------رابعا- تجارب ناجحة لبعض الدول
سنتطرق إلى تجارب بعض الدول فيما يخص الاهتمام بالمسؤولية الاجتماعية لضبط المجتمع، ولو تعمقنا أكثر للاحظنا أن الدول الغربية يجتهد فيها الأفراد أنفسهم لتبني هذا المبدأ، في حين أن الدول العربية تتقاعص كثيرا وإن وجدنا بعض تطبيقاتها في المجالات التي تعد حساسة كالإعلام والأمن من خلال القوانين المفروضة، مما نلمس أن الدور الكبير في مجال المسؤولية الاجتماعية في هذه الدول تلعبه الدولة نظرا لروح الاتكال، أما على مستوى الأفراد فإن الفضل الكبير في ترسيخ المسؤولية الاجتماعية في نفوسهم يرجع إلى الدين الإسلامي، ومع هذا يصنف في الجانب الديني أكثر منه اجتماعي:

//////

1-اليابان:
أحرزت اليابان تنمية رفيعة المستوى، حيث أن نسبة الإنفاق المستمر على التعليم من نسبة الإنفاق العام قدرت بنحو 11.6 % سنويا أي 3.6 % سنويا من الناتج القومي، فهي من أكثر البلدان إيمانا بأن سيرورة الاستمرارية والتغيير مرهونة بإعطاء الأولوية المطلقة لتربية الإنسان وتثقيفه على الإبداع الفني والأدبي والبحث العلمي. فيتم تربية الصغار على تحمل المسؤولية سواء من المنزل أو من المدرسة ويتعلمون المسؤولية الاجتماعية، والشعور بالواجب تجاه المجتمع، والاعتماد على النفس وضبطها. وقد صنف الأطفال اليابانيون على أنهم الأكثر استقلالية ومسؤولية في العالم.

2- الولايات المتحدة الأمريكية:
هناك 552 جامعة تُدرس المسؤولية الاجتماعية من خلال 718 مقررا، بالمقابل نجد 6 جامعات فقط في الوطن العربي تدّرس المسؤولية الاجتماعية ولا يوجد مقرر واحد يختص بها بشكل مباشر. بل مجرد مناهج لمواد مختلفة لها علاقة غير مباشرة بالمسؤولية الاجتماعية. إن الجامعات الأمريكية أسهمت في نشر ثقافة المسؤولية الاجتماعية من خلال الدراسات والأبحاث والبرامج والتخصصات والمقررات التي تطرحها في برامج إدارة الأعمال وعلم الاجتماع والإعلام والخدمة الاجتماعية مما أدى إلى رفع نسبة الوعي بالمسؤولية الاجتماعية إلى ما يقارب من نسبة 43%. كما تم تخصيص كل شركة أو مؤسسة جزءا من أرباحها لدراسة المسؤولية الاجتماعية.

//////

3-السعودية:
إن تجربة جامعة الملك سعود المتمثلة في تحقيقها المرتبة 197 بين الجامعات العالمية وفقا لتصنيف ويبوماتريكس الاسباني العالمي، وحصولها على المركز الأول على مستوى الجامعات العربية والإسلامية وجامعات الشرق الأوسط، تعد تجربة ثرية كمؤسسة أكاديمية عريقة فيما يتعلق بالمسئولية الاجتماعية للجامعة تجاه المجتمع السعودي وفئاته وقطاعاته المختلفة، والتعرف على البرامج والمشروعات المتعلقة بمجال قطاع البيئة وخدمة المجتمع التي تبرز الدور والمسئولية الاجتماعية للجامعة تجاه المجتمع، والخدمات التي قدمتها للقطاعات المجتمعية في مجتمع المملكة العربية السعودية.

4-الجزائر:
لقد تبنت الجزائر نظرية المسؤولية الاجتماعية في وسائل الإعلام والتي تعد من أكثر النظريات الإعلامية واقعية وأكثرها ملاءمة للتطبيق في الجزائر، فقد جعلت الإعلام الجزائري في طليعة وسائل الإعلام ذات الحضور الصادق. ولأجل تسهيل مهام المؤسسة الإعلامية في المساعدة على الضبط الاجتماعي باستخدام إستراتيجية المسؤولية الاجتماعية أصدر المشرع الجزائري القانون العضوي للإعلام رقم 12-05 المؤرخ في 12 يناير 2012 لتعزيز قدرة هذه المؤسسة على إشاعة قيم العدالة والمساواة والإصلاح والحقوق والواجبات بمعنى ثقافة صحية متكاملة عن طريق وضع ضوابط أخلاقية قصد مواجهة تحديات العوملة، مع جعل الرأي العام رقيبا على هذه المهنة حتى تكون علاقة الإعلام بالمجتمع علاقة تعاون وتكامل.

5-فلسطين:
إن ما قامت به السلطة الفلسطينية على مدار السنوات السابقة ممثلة بقوات الأمن الوطني في نطاق مسؤوليتها المجتمعية أثر بشكل إيجابي على نظرة المجتمع تجاه الدور التنموي لقوات الأمن الوطني. وفي محاولة الإصلاح المستمرة فـي الأجهـزة الأمنيـة برزت مجموعة من الفعاليات والنشاطات التي ينظمها الأمن الوطني للتعايش مع الناس والتقارب معهم، كان أبرزها "مخيمات التعايش" التي تجرب هناك لأبناء الوطن من مختلف الشرائح.

............ كخلاصة فإنه: من خلال المفهومين وفحوى وسائل الضبط الاجتماعي، يتضح بأن المسؤولية الاجتماعية تشكل وسيلة أو آلية أو معيار للضبط الاجتماعي، وهي من النظريات الحديثة للضبط الاجتماعي، وتشكل نمطا من أنماط التنشئة الاجتماعية المنوطة بمؤسسات الضبط في الدولة التي تقوم بعملية تحويل الفرد من مخلوق عاجز إلى شخص قادر على التفاعل مع المحيط الاجتماعي الذي يحتويه منضبطا بضوابطه.

*دراسة من إعداد الأستاذة بورزيق خيرة.

دراسة
بواسطة:
أستاذة مؤقتة وباحثة في طور الدكتوراه حول المسؤولية الاجتماعية
عضو منذ: 12/03/2018
عدد المشاركات: 17