الاثنين 11 ربيع الثاني 1441 الموافق ديسمبر 9, 2019
 

الصلاة كمصدر للمسؤولية الاجتماعية لدى العاملين بالمؤسسات

الخميس, 21 مارس, 2019

من الضروري في الدول الإسلامية ربط المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات بالوعي الإسلامي، فالمسؤولية الدينية هي أول أنواع المسؤولية الاجتماعية وأهمها على الإطلاق وهي تعني المسؤولية أمام الله عز وجل، حيث أن علاقة الشخص مع ربه هي أسمي أنواع العلاقات ومن صورها المحافظة على أركان الإيمان، والمسؤولية في الحفاظ على أركان الأسلام الخمسة وعلى رأسها "الصلاة".

إن الصلوات الخمس لها أوقات مُعيَّنة من اليوم والليلة، لا يَصِح إخراجها عن وقتها من غير عُذْرٍ شرعي؛ قال تعالى: "إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا" (النساء: 103)، والعمل أو الوظيفة ليست عذرا لأن حياتنا كلها عمل، وإذا تحججنا بذلك فسيكون بمقدور الجميع تأجيل صلواتهم وهذا لا يجوز إطلاقا، ومن باب المسؤولية الاجتماعية أن يلتزم الفرد بواجباته ويؤديها على أحسن وجه، على رأسها واجباته الدينية وإقامة الصلاة في أوقاتها المخصصة وجوبا، فالضمير الإيماني هو المحرك الأساسي للفرد.

هذا من جهة؛ من جهة أخرى أولى الدين الحنيف منذ ظهوره بالغ الاهتمام بمفهوم المسؤولية الاجتماعية، وأعطاها صفة الشمولية، بمعنى تقديم كل ما يسهم في بناء المجتمع من مختلف جوانبه المادية والروحية بناء صحيحا، ويمنع كل ما يلحق الضرر به، ويظهر ذلك جليا في النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة. وبالتالي فإن في اتباع ديننا الحنيف استقامة الذات وازدهار للمجتمع وعماد ذلك الصلاة، فتاركها لا يخشى الله ومن لا يخشى الله لا يخشى أن يظلم الناس ويسيء إلى مصالح الجماعة.

وبما أن للمسؤولية الاجتماعية بعد قانوني، فإن دستور المسلمين هو القرآن الكريم الذي وضع الضوابط الناظمة وعليه فإن مسؤوليتهم الاجتماعية تكمن في الإذعان القانوني لهذا الدستور والخضوع له جملة وتفصيلا، والإيمان باليوم الآخر الذي يجرى فيه الحساب والعقاب ويؤثم فيه ترك الصلاة.

من مسؤولية المؤسسة وضع ذلك بعين الاعتبار ويبدو حسها بالمسؤولية الاجتماعية من خلال الاقتناع بأن الصلاة تدخل في إطار حقوق وواجبات الموظف المسلم وكذا كرامته. ومن أجل ذلك عليها العمل على توفير الظروف الملائمة لممارسة هذا الحق/الواجب، ولعله يمكننا تقديم بعض الاقتراحات أهمها:

- إنشاء مصلى مجهز وتوفير اللوازم للعاملين بها لتمكينهم من الطهارة وإقامة الصلاة، من هذه اللوازم (ماء نظيف، سجادات، بوصلة، مدفأة، مكيف).
- ضرورة عدم تمييز العاملات وتوفير الخدمة ذاتها كون التشريعات تنص على المساواة بين الجنسين في مكان العمل.
- احتساب وقت الصلاة ضمن التوقيت الفعلي للدوام والأجر عليه.
- الحذر وعدم السماح بإلقاء محاضرة أو خطبة أو توزيع ملصقات أو كتيبات حتى لا يبدو الأمر ترويجا أو ضغطا على العاملين.
- بالنسبة للمؤسسات التي بها نسبة عالية من الأجانب فلابد من تمكين العمال المسلمين من الساعات التي تدخل في توقيت الصلاة، وإنابة الأجانب تفاديا لتعطيل العمل مع تمكين هؤلاء من تعويض ساعات الإنابة أجرا أو راحة.
- تخصيص يوم عطلة للأجانب يتوافق مع اليوم الذي يقومون فيه بصلاتهم حتى يتمكنوا من ممارسة طقوسهم الدينية إذا كانت الدولة المعنية تسمح بذلك، تفاديا للمطالبة بالمساواة داخل أماكن العمل (كالمطالبة بتخصيص كنائس أو معابد).

ومن كل هذا وذاك يستحسن حتى لا تخلو المساجد من المصلين ولا تتحول أماكن العمل إلى أماكن للعبادة (الفكرة التي لا يستوعبها الكثيرون)، أن تخصص الشركات الجانب الخيري والتطوعي من مسؤوليتها الاجتماعية لإقامة مساجد أو مصلى بجانب مقر إدارتها حتى لا يتكاسل العمال في الذهاب إلى الصلاة في أوقاتها دون تأجيل.

أما عن الشركات التي تتبنى المسؤولية الاجتماعية وتعترف بهذا الجانب ولكن لم تخصص بعد أماكن الصلاة، فليس عليها معاقبة العامل الذي يخصص وقتا لأداء هذه الفريضة، ومغادرة مكان العمل أثناء الدوام لأجل ذلك والعودة بعدها لمتابعة مهامه الوظيفية.

ولعل هذه المؤسسات ستستفيد كثيرا من مزايا الصلاة وما تطبعه منافعها في نفسية وشخصية العامل. فالعامل إذا داوم على الصلاة، وحافظ عليها، قويت رغبته في فعل الخيرات وسهلت عليه الطاعات، حيث لا تجد محافظًا على الصلاة في أوقاتها إلا وجدت تأثير ذلك في بقية أعماله، بالإضافة إلى فوائدها الطبية البدنية فتعزز نشاط العامل وحيويته.
ولهذا كله كانت الصلاة عنوانًا على الفلاح وبالتالي مصدرا من مصادر المسؤولية الاجتماعية.

بقلم: أ. بورزيق خيرة

مقال
بواسطة:
أستاذة مؤقتة وباحثة في طور الدكتوراه حول المسؤولية الاجتماعية
عضو منذ: 12/03/2018
عدد المشاركات: 17