السبت 9 صفر 1440 الموافق أكتوبر 20, 2018
 

الشراكة المجتمعية في القطاع الخاص

الثلاثاء, 5 ديسمبر, 2017

عبدالعزيز محمد العبيد
باحث ومستشار قانوني

تتسابق الشركات اليوم إلى إنشاء إدارات مستقلة تختص بالمسؤولية الاجتماعية لأداء الدور الاجتماعي الذي طال انتظاره من القطاع الخاص
ولرد الجميل للوطن الذي لطالما كان نافذة آمنة لرجال الأعمال بالتسهيلات النظامية والتنظيمية وبتقليص القيود والعوائق التجارية، وللمجتمع الذي لطالما كان حاضناً مثمراً لتلك الشركات وبيئةً خصبة لاستثماراتها من خلال سلوكه الاستهلاكي وشهيّته الشرائية، ليس المهم أنها تأخرت، المهم أنها بدأت ودفعت بنفسها وبالشركات المنعزلة عن واجبها الاجتماعي نحو خطوة إيجابية باتجاه التنمية المستدامة والشراكة المجتمعية.
وفي الوقت ذاته نجد أن الشركات عادةً ما تواجه مشكلتين إحداهما سابقة على مفهوم المسؤولية الاجتماعية ومرتبطة بأسلوب عمل الإدارات التنفيذية داخل أروقة تلك الشركات والمؤسسات، والأخرى متزامنة مع بروز مفهوم المسؤولية الاجتماعية، في حين يمكنها أن تصنع من المشكلة الثانية حلاً واقعياً للأولى.
أما المشكلة الأولى: فهي أنّ أكثر الشركات ومؤسسات القطاع الخاص تعاني من ضبابية الكفاءة التشغيلية والإمكانات المهنية للكوادر المستجدة أو المراد تعيينها، وتدني مستوى القياس التشخيصي لكل متقدم للعمل ومدى انضباطه وإنتاجيته؛ فلم تعد تُجدي المقابلات الشخصية ولا السير الذاتية ولا الاختبارات الافتراضية في معرفة الجدارة الحقيقة لطالب العمل أو الملتحق حديثاً حتى بعد تعيينه.
وأما المشكلة الأخرى: ــ وهي التي تتزامن عادةً مع بروز مفهوم المسؤولية الاجتماعية وتأسيس إداراتها في الشركات ــ فهي شُح الموارد البشرية القادرة على تشغيل المشاريع الاجتماعية لتلك الشركات وإدارتها من الناحية التنفيذية؛ فالمصنع المختص -مثلاً- باستخراج وتعبئة المياه المعدنية منذ عشرات السنين أو شركات الأثاث أو البنوك أو مؤسسات توريد السلع وغيرها.. من أين لها بالكوادر ذات الخبرة والممارسة لكي تدير وتشغل المشاريع الاجتماعية وتمثلها في القيام بدورها المجتمعي؟.

وفي الوقت ذاته نجد أن مجال المسؤولية الاجتماعية يمثل مخزوناً بشرياً كبيراً ونبعاً من الكوادر لا ينضب وطاقة بشرية متجددة من الراغبين في ملئ أوقات فراغهم أو اكتساب خبرات جديدة بالعمل في المناسبات والمحافل الرياضية والمؤتمرات والمعارض الموسمية والفعاليات الترفيهية، وتشير التقديرات إلى أن النسب العالية من الذين يشاركون عادةً في المناسبات الرياضية والترفيهية والاجتماعية تمثل الراغبين في الحصول على فرص عمل سواءً كانوا متخرجين وساربين في قوارب البحث عن وظيفة، أو طلاباً جامعيين لا زالوا يترقبون موعداً مع رحلة التقديم على الفرص الوظيفية، أو حتى من المتقاعدين الراغبين في استثمار خبراتهم وإعادة عجلة العمل المهني في حياتهم.
ومن رحم هاتين الظاهرتين يمكن للقطاع الخاص أن يخلق حلاً موائماً لتنفيذ مشاريعه المجتمعية من خلال تدريب وتأهيل المواطنين المشاركين والراغبين في المشاركة في البرامج الاجتماعية وتقييمهم تقييماً وظيفياً يُتوّج بتوظيف نسب محددة منهم بشكل دوري، وهكذا يتم توظيف نسبة محددة من مجمل أعداد المشاركين الذين تختارهم الشركة لتنفيذ مشاريعها الاجتماعية في كل مرة؛ فتُحقّق تنفيذ المبادرة الاجتماعية من خلال أفراد المجتمع ذاته وشغل أوقات فراغهم وإكسابهم فرصة تحصيل خبرات تضاف لسيرهم الذاتية وتحفيزهم على المشاركات المجتمعية بعوائد مجزية، ومن ناحية ثانية تُحقّق تغذية فروعها وإداراتها وكافة مرافقها بموارد بشرية مواطِنة وممارِسة قد تم التأكد من كفاءتها عن كثب وتقييمها في ميدان اختبار غير اقتراضي يتجاوز سطحية المقابلات الشخصية التي تُجرى روتينياً في مكاتب مسؤولي التوظيف، لتنفذ إلى عمق القدرات الذاتية التي يتمتع بها طالب العمل ومدى وجود وفاعلية القيم المهنية التي يُفترض توافرها في شاغلي الوظائف، عبر شراكة مجتمعية يستفيد منها الطرفان وتحفز كلاً منهما للتعاون مع الآخر، وتنعكس ثمرتها على تحقيق هدف التنمية المستدامة والأهداف الأخرى التي تصب في قالب الاستراتيجية الوطنية للتنمية كالإسهام في التوطين ومكافحة البطالة والفقر والجريمة الناشئة عن الفراغ، ولتحقيق مزيد من تدوير خبرات الكفاءات المتقاعدة، وتعزيز قيم الانتماء والمواطنة وما تمليه من مسؤوليات وواجبات في إنجاح البرامج التنموية والاقتصادية، ولتقليص الفجوة بين المجتمع والقطاع الخاص بعد أن ظلت "بعض الشركات" لعقود وسنوات -مع الأسف- قلاعاً عصية على المجتمع والمواطنين وجُزراً منعزلة عن محيطها البيئي الذي لا تعرفه إلا عند عمليات البيع والشراء كما لو كانت تعتبر المستهلك ماكينة نقود لتعظيم أرباحها فحسب دون استشعار لمسؤوليتها القانونية والأدبية والاجتماعية في تنمية بيئة أعمالها وخدمة مجتمعها وطرح البرامج والمبادرات الجادة والمستدامة في تغذية أبناء الوطن تدريباً وتأهيلاً وإشراكاً وتوظيفاً واستثماراً وإثماراً.

المصدر: http://www.maaal.com

مقال
بواسطة:
الشبكة السعودية للمسؤولية الاجتماعية
إدارة الشبكة