الأربعاء 28 ذو الحجة 1438 الموافق سبتمبر 20, 2017
 

دخول المستخدم

آخر الأخبار

استطلاع رأي

ما رأيك بالموقع الجديد للشبكة السعودية للمسؤولية الاجتماعية؟

الشركاء

أنا وصديقي السرطان . . قصة نجاح

الجمعة, 10 فبراير, 2017

قصتي مع السرطان . . صديقي السرطان ، حيث القصة التي غيرتني وقلبت كل موازين حياتي . . صرت أكثر نضجًا وقوة وإيجابية وأكثر تمسكًا بالحياة وأكثر تقديرًا لذاتي . . وأكثر رغبة في إسعاد نفسي ومن حولي .
في سن السابعة عشر من عمري وبالتحديد في عامي الجامعي الأول كنت كغيري من الفتيات في زمن البراءة والشغب الجميل لم أكن أحمل أي هم أو معاناة بقدر ما كنت أحمل كل السعادة في قلبي جمعتني الدنيا بصديقات العمر . . في ذلك الوقت اكتشفت إصابتي بورم صغير في رقبتي أعلى الكتف وأنا في السكن الجامعي ، لم أكن أشعر بأية آلام سوى الحمى التي كانت تزورني كل فترة ، وكتلة صلبة أشعر بها كلما تحسست تلك المنطقة تحت رقبتي . لم أكن لأعلم ماهية هذه الكتلة ، وبصورة عفوية تواصلت مع والدي لأخبره بما اكتشفته ، فوعدني عند رجوعي نهاية الأسبوع من الجامعة بزيارة الطبيب .
في أول زيارة للطبيب طلب فحوصات شاملة وتحاليل ، وقمت بإجرائها جميعها خلال الإجازة حتى موعد عودتنا إلى الجامعة والسكن . خلال ذلك استدعوني في المستشفى مع والدي ليخبروني بضرورة إجراء جراحة لاستئصال عينة من الكتلة وعمل تحليل لها . خضعت للجراحة وبعد فترة لم تتعد الأسابيع زاد انتفاخ الكتلة وتصلبها وبدأت أشعر بآلام وعند مراجعة الطبيب مرة أخرى أخبرنا بضرورة استئصال الكتلة بالكامل . وبقيت في المستشفى فترة ثلاثة أشهر بين تحاليل وأشعة دون أن أعلم ماهية هذه الكتلة أو ما أعانيه ، وفي النهاية جاءني الطبيب ليخبرني بإصابتي بمرض السل . . ضحكت أمامه وأخبرته بأن لي خبرة في أعراض مرض السل من خلال إدماني على مشاهدة الأفلام الهندية مثل الكحة وخروج الدم . عاد ليفسر لي بأن هذا النوع من السل يظهر على شكل غدد . حتى الآن وبعد مرور كل هذه السنين لا أعلم إن كان الطبيب بالفعل قد أخطأ في التشخيص أم أنه تعمد عدم ذكر حقيقة المرض حتى لا يخفيني !

المهم أني رفضت العلاج الذي كان مقررًا لي ورفض والدي كذلك هذا التشخيص وسافر بي فورًا إلى بريطانيا وكانت ترافقني خالتي . حيث شخص الطبيب المعالج الحالة وأخبرني شخصيا ودون تردد بأني مصابة بسرطان الغدد اللمفاوية في مرحلته الأولى . لم أكن بالفعل لأفقه ما يقوله أو ماهية هذا المرض ولكن كل ما علمته منه أنني مخيرة بين علاجين : أحدهما سريع وغير مؤلم وهو العلاج بالإشعاع المباشر ولكن لا يضمن قدرتي على الحمل في المستقبل . أما العلاج الثاني وهو الكيماوي فهو علاج طويل وله العديد من الأعراض ولكن قد يكون هناك أمل في الحمل والإنجاب مستقبلًا ، بالتأكيد كأي فتاة في عمر السابعة عشر تفكر في الزواج والإنجاب فورًا أجبته بأني أفضل الخيار الثاني .
كنت سعيدة جدًا لأني سافرت إلى بريطانيا بلد الضباب ، لم أكن خائفة أو مدركة لما ينتظرني من علاج بقدر سعادتي بالسفر . ومضت تسعة أشهر من العلاج والألم ورغم ذلك احتفظت بصلابتي وكذلك بشعري حيث لم أفقده وكان الدكتور في كل مرة يمازحني بقوله : لازلت تحتفظين بشعرك الطويل ؟؟

خلال رحلة علاجي التقيت بالعديد من الفتيات والشبان والأطفال المرضى صادقت العديد منهم بحكم جيرة المستشفى والغربة . . جمعتنا ضحكات ممرات المستشفى وانتظار الدور لغرفة الأشعة ، ومختبر التحاليل وسيارات الإسعاف التي كانت تنقلنا في بعض الأحيان . كل منها يسأل الآخر عن مرضه والفترة التي قضاها في المستشفى ، عن أحب الأشياء إليه وأحب المشروبات لديه وأفضل المأكولات والوجبات .. جمعتنا أحاديث عن المدرسة والدراسة والجامعة والأصدقاء . . في كل مرة أغيب عن المستشفى لفترة ثم أعود لاستكمال الجرعات ، كنت أجد أحدهم قد اختفى من غرفته أو اختفت إطلالته وحينما أسأل أعلم بأنه فارق الدنيا وتركنا . . تعرفت على الكثير ورحلوا خدعوني ولم يفوا بوعدهم بأن نستكمل العلاج سويًا . أجسادهم الصغيرة لم تحتمل قسوة العلاج . وأعود إلى شقتنا لأبكي فراقهم وألم الغربة .
مرت الفترة تلك بين ألم وفرح ، وبين سعادة وحزن ، كانت تصلني بين فترة وأخرى رسائل صديقات العمر من الجامعة وكل منهن تتشوق لمعرفة أخباري جمعتها كلها لأحتفظ بها في صندوق ذكرياتي .
مضت التسعة أشهر طويلة وطويلة جدًا ، رزقت خلالها بأختي الصغرى والتي اخترت لها أنا اسمها اتصل الوالد بالوالدة وأخبرها بأن تسميها إيمان كما أوصيتهم .
وعندما عدت إلى الوطن كان المطار يعج بالمستقبلين ، لم أكن أتوقع كل ذاك العدد الكبير من المستقبلين كلهم كانوا ينتظروني ، وأذكر هيبة اللقاء ودموع الفرح وأكف الدعاء والشكر لله أن أعادني سالمة إلى الوطن .
مرت الأيام وتزوجت خلال عام من عودتي من العلاج . وتأخر الحمل حوالي عام ونصف .
خلال مراجعاتي إلى بريطانيا كنت أجري الفحوصات لمعرفة إمكانية الحمل وأخبرني الاطباء بأن التحاليل كلها تشير إلى إمكانية الحمل ولكن بعد فترة المهم بأني رزقت بابني الأول محمد بعد عام ونصف ورغم توقعها الأطباء بالتأخر في الحمل لأكثر من ذلك . كان طفلًا جميلًا جدًا ، كنت كلما نظرت إلى سريره أتعجب وأتساءل هل بالفعل هذا الطفل الجميل هو ابني ؟؟
ثم بعد ثلاثة أعوام كنت أرغب في إنجاب طفل ثاني ولكن الأطباء في لندن أخبروني باستحالة ذلك ، لأفاجأهم بمولودي الثاني لطيفة ، وسط دهشة الأطباء . بعد الولادة أذكر بأن الدكتور في مستشفى ولينكتون بلندن أخبرني بأني محظوظة بأني رزقت بولد وبنت ولكن للاسف لن أستطع إنجاب المزيد وبعد ستة أشهر عدت إلى بريطانيا وأنا حامل بطفلي الثالث وهي سارة . . إنهار الطبيب المعالج في لندن من الصدمة حين اتصلت له قبل سفري لأخبره بأني حامل وهو يصرخ مستحيل ، لا يمكن ، وأنا أخبره نعم هذا ما حصل . وكالعادة بعد ولادتي أخبرني الطبيب في لندن بأن احتمالية حملي للمرة الرابعة مستحيلة . لكني حملت للمرة الرابعة بابني أحمد وبعده للمرة الخامسة بأصغر أبنائي وهي مها ليصبح لدي خمسة نجوم يضيئون حياتي .
جميع ولاداتي كانت بعمليات قيصرية ثلاثة من أبنائي في بريطانيا وآخر اثنين في دبي .
استمرت مراجعاتي إلى بريطانيا تقريبًا كل ستة أشهر ثم أصبحت كل عام وبعدها لم أعد أحتاج إلى أية مراجعات إلا داخل الدولة ولله الحمد .
عشت حياة طبيعية حتى إصابتي بالسرطان للمرة الثانية ولكن هذه المرة كان سرطان الثدي . حدث ذلك قبل تقريبُا سبعة أعوام . كنت أحرص على الفحص الذاتي لأكتشف وجود كتلة صلبة في الصدر جهة اليمين ، توجهت فورًا إلى المستشفى ، وطلبوا مني أخذ عينة للفحص ، وبعد مضي أسبوعين جاءني زوجي بالنتيجة وكان منهارًا جدًا لدرجة البكاء وهو يخبرني بالنتيجة بأنها سرطان الثدي ومن الدرجة الثالثة ، لم أفجع أو أنهار بل كنت متماسكة جدًا عندما تلقيت الخبر وسألته لما أنت خائف ؟ هل تعتقد بأني سأموت ؟ هذا نصيبي وقدري ، وضبت حقائبي للسفر والعودة إلى بريطانيا لتلقي العلاج وكان قد تقرر سفرنا بعد شهر رمضان حيث كان قد تبقى على شهر رمضان عدة أيام . خلال شهر رمضان لم أترك نفسي للوساوس أو التفكير وإنما توجهت إلى مركز للأعشاب الطبية . لم أكن أؤمن بالتداوي بالأعشاب ولكني كنت بحاجة لبعض الأمل . أعطاني مجموعة أعشاب وأوصاني بالإلتزام بالرقية الشرعية في كل فرض . هذه الوصفة الوحيدة التي شعرت معها بالثقة والأمان .
انتهى شهر رمضان ، والعيد ، وحان موعد السفر ، أذكر في نفس يوم السفر أتتني ابنتي الصغيرة مها وسألتني : ماما ، أنت مصابة بالسرطان ؟؟ يعني ستموتين ؟؟ ، أجبتها وأنا على يقين وثقة كثقتي بالله سبحانه : لا يا غاليتي سأتعالج وبإذن الله سأعود ولن أتأخر .

وقبل السفر كنت أرى دموع الخوف وكأنها دموع الوداع في أعين كل أهلي وأقاربي وكأنني سأموت غدًا . . كنت أضحك في وجههم لما أراه من تصرفاتهم وفي داخلي أموت بسبب نظرات الشفقة في عيونهم .

هذه المرة لم تكن كالمرة الأولى . . حين كنت مراهقة لا تحمل هم أحد هذه المرة كانت أمامي صورة أبنائي وكيف سأتركهم وأنا بالنسبة لهم كل شي ، كيف سيكون موقفي أمامهم ، لذا أظهرت كل الشجاعة والقوة والتحدي أمامهم ، أظهرت جانب القوة وأخفيت عن الجميع جانب الضعف والخوف ، وتسلحت بسلاح الإيمان واتكلت على الله . . سافرت وأنا على قناعة ويقين بالله بأني سأعود وبأقوى مما كنت وفي نفس الوقت كان مجرد التفكير بأني سأعود لأخذ الكيماوي يجعلني أختنق وكأنني سأموت بالفعل .

وصلنا إلى لندن وكان برفقتي زوجي وخالتي وعمي أبو زوجي . وعند الطبيب أخبرني بضرورة إجراء عملية استئصال وتجميل للثدي . . استغرقت العملية تسع ساعات ونصف واستغرقت مراجعتنا حوالي ثلاثة أشهر في لندن ولم أحتج بالفعل إلى الكيماوي وكان هذا أهم خبر . عدت إلى الوطن وأنا لست أنا . . لم أعد تلك اللامبالية . . تعلمت كيف أقدر نفسي وأحترمها أحببت نفسي لكي أسعدها فأستطيع إسعاد من حولي . بعد السرطان أصبحت أكثر سعادة وأكثر اختلاطًا بالمجتتمع كونت صداقات كثيرة ومتعددة ورأيت الابتسامة على الوجوه ووفقت بعد كل دعاء بالتوفيق أسمعه من فرد أو مريض أو قريب لمريض لما قدمته لهم من نموذج إيجابي منحهم ومن يحبون القوة والشجاعة والإرادة .

بعد تلك الإصابة مرت تفاصيل كثيرة في حياتي وبدأتُ مشواري مع فعاليات التوعية والورش والمساهمات . . حتى توقفت أيامي تلتقط أنفاسها لتسمع هدير السرطان مرة أخرى وفي الثدي الآخر ، استجمعت قواي دون أن أخبر أحد وتوجهت للمتستشفى لأخبر طبيبتي بأني أشك في إصابتي بورم آخر لكنها أخبرتني بأن ذلك مجرد تكيس في الثدي ولا داعي للخوف ولكن نظرًا لتاريخي المرضي يجب استئصال الكيس في حال بدأ ينمو حتى لا يضغط على خلايا الثدي ، ولكن ولمشيئة الله ورحمته تأجلت الجراحة ثلاث مرات خلال عام كامل ليكبر الكيس ويظهر بشكر بارز جدًا .

من المفارقات المضحكة أن تتأجل الجراحة لثلاث مرات لأسباب عجيبة : المرة الأولى : الموعد كان في إجازة الإسراء والمعراج والدكتورة ( خبر خير ) . المرة الثانية : الدكتورة في سفر مفاجئ لحضور مؤتمر طبي . المرة الثالثة : لا توجد غرف شاغرة في المستشفى .

وعند مراجعتي للمركز الصحي أخبرتني الطبيبة هناك بأنه يتضح بأنه ليس كيسًا عاديًا ولذلك يجب إجراء فحص عاجل بالاشعة ، وفي الأشعة أخبرتني طبيبة الاشعة بشكوكها أيضًا في أن هذا الكيس ليس كيسًا عاديًا وإنما قد يحوي بداخله ورمًا سرطانيًا ، وبالفعل هذا ما أكدته الطبيبة عند مراجعتها وتم تحديد موعد للجراحة لاستئصال الورم ..
للأسف وقدر الله أن أقوم بإجراء الجراحة في مستشفى دبي ولكن كان قرار استئصال الورم قرارًا طبيًا خاطئًا كان يجب استئصال أنسجة الثدي بالكامل كما في المرة الأولى للثدي الأول لأن الخطر يكمن في أنسجة الثدي ، هذا كان قرار طبيبة أخرى راجعتها بعد الجراحة وخلال مراجعتي الاعتيادية ، وعليه تم تحويلي فورًا إلى المستشفى الأمريكي وقمت بإجراء جراحة ثانية بعد شهر ونصف من الأولى ، ليكتشف الجراح ورمين جديدين في أنسجة الثدي ولله الحمد أنني سارعت في إجراء الجراحة بالسرعة العاجلة وإلا كان السرطان قد تمكن مني وانتشر في أجزاء متفرقة من الجسم وكان حينها سيصعب السيطرة عليه .

أليس بعد هذا حق علينا السجود شكرًا للخالق على كل نعمة ؟!!

وهكذا . . مرت أيامي متفائلة رغم كل هذا الضجيج .

وحاليًا . . أستكمل برامجي التوعوية بنفس الحماس والإرادة والعزيمة ومبادرتي في طور إشهارها كمؤسسة ذات نفع عام بإذن الله .

قد أجد بين الحين والآخر فرصة لمقارنة ما آل إليه هذا الجسد من شخابيط وخربشات الجراحين ولكن كلما رأيت ذلك أحسست كم كنت قوية وكم وهبني الله هذه القوة وهذا الصبر والتحمل لأجد السعادة في عيون كل من حولي بوجودي معهم : أبنائي ، أسرتي ، زملائي ، أصدقائي ، ومجتمعي .

مقال
بواسطة:
رئيسة مبادرة سفراء الإيجابية وممثل الشبكة بالامارات
عضو منذ: 18/12/2016
عدد المشاركات: 14