الأربعاء 28 ذو الحجة 1438 الموافق سبتمبر 20, 2017
 

دخول المستخدم

آخر الأخبار

استطلاع رأي

ما رأيك بالموقع الجديد للشبكة السعودية للمسؤولية الاجتماعية؟

الشركاء

قراءة في السياسة النقدية للمصرف المركزي اللبناني - د. سهام رزق الله

الجمعة, 27 يناير, 2017

السياسة النقدية بين تحديات سندات الخزينة وحاجات تمويل الإقتصاد
أي إتجاه لمستوى الفوائد؟

(23-01-2017)

د. سهام رزق الله (أستاذة محاضرة في جامعة القديس يوسف – كلية العلوم الإقتصادية
وباحثة إقتصادية في المركز الدولي "قدموس" )

************************
وسط احتدام السجال الاعلامي حول دور مصرف لبنان في دعم الاقتصاد الوطني من خلال سياسته النقدية ومستوى الفوائد في خضم كل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها البلاد... لا يزال القطاع المصرفي العمود الفقري لتمويل كل من القطاعين العام والخاص رغم الاتهامات بتوجيه معظم الادخار نحو سندات الخزينة والقطاع العقاري حصراً على حساب تمويل القطاعات الانتاجية..مع ارتفاع معدلات الفوائد إلحاقا أيضا بمعدل فوائد سندات الخزينة مما ينعكس على مجمل الاستثمار والنمو وخلق فرص العمل ...فما هي أبرز خيار مصرف لبنان والقطاع المصرفي في السنوات الأخيرة؟ وأي عوامل مؤثرة بمستوى الفوائد؟ وكيف يتترجم إنعكاسها على الاقتصاد الوطني ككل؟
********************************

لقد وقف القطاع المصرفي ومصرف لبنان لسنوات الى جانب الدولة والاقتصاد اللبناني، حتى في ادق الظروف واكثرها صعوبة وعمل بما لديها من صدقية محلية ودولية على استقطاب مدخرات اللبنانيين المقيمين والمغتربين ومدخرات المتمولين العرب، واعاد ضخّها في السوق اللبنانية ، إما تمويلاً للقطاعين العام والخاص وإما دعماً لاحتياطي القطع الأجنبي لدى المصرف المركزي.
كمـا ان القطاع المصرفي لم يكن محايداً في إنجاز المكتسبات التي حقّقها إنعقــاد مؤتمر
باريس 2 ، بل تميز بلعب دور اساسي وحيوي في آلية تخفيض خدمة الدين العام، وذلك إما بطريقة مباشرة عبر الاكتتاب بسندات خزينة بمبلغ يقارب 4 مليارات دولار بفائدة صفر في المئة، وهو مبلغ فاق إجمالي مساهمات البلدان الصديقة والشقيقة معاُ، وإما بطريقة غير مباشرة، عبر الإسهام في خفض معدلات الفوائد بشكل ملموس في الاسواق وبالاخص على سندات الخزينة اللبنانية.
فالمعروف أن معدل سندات الخزينة لمدة سنة مثلا هو اليوم بحدود 5.35% وهو معدل الفائدة الذي ترتبط به معدلات الفائدة للقروض السكنية إن كان القروض المدعومة من مصرف لبنان مباسرة أو تلك الممنوحة من خلال مؤسسة الإسكان وهي كذلك منذ سنوات عديدة وتحديدا منذ العام 2012، بعد انخفاضات متتالية عن مستويات مرتفعة بلغت ذروتها بحوالي 38% عام 1995...
أما اليوم فمعدلات الفائدة المعتدلة تبقى مرتبطة بعوامل عديدة وليس بمجرد قرار مركزي! ومن أبرز هذه العوامل المؤثرة بمستوى الفوائد:

أولا "مخاطر البلد" وهو عنصر هام وأساسي يمنع تراجعها بشكل ملحوظ ، على الرغم من أن البنك المركزي استمر في دعم القروض بفوائد مخفضة، لا سيما للاستثمار العقاري وللقطاعات الإنتاجية المختلفة .. ولكن بموازاة ذلك، تقوم الوكالات الدولية لتصنيف المخاطر بدراسة وضع كل بلد وفق مؤشراته الاقتصادية وغير الاقتصادية المؤثرة على اقتصاده مما ينعكس بشكل حاسم على تحديد معدات الفائدة. أضف إلى ذلك أن رفع المصرف المركزي الأميركي معدلات الفائدة لعام 2017، يزيد الضغط على معدلات متوسطة الأجل.

وهنا لابد من التوقف عند أبرز مؤشرات المالية العامة، وهي اليوم تشير الى ارتفاع الدين العام الى حوالي 75 مليار دولار، وتجاوز نسبة الدين العام من الناتج حدود 140٪ ونسبة العجزالمالي الى الناتج المحلي الإجمالي حوالي 8٪.

أكثر من ذلك من المعروف أن معدل الفائدة على سندات الخزينة بات معدل الفائدة الرئيسي الذي يقود معدلات الفائدة الدائنة والمدينة في لبنان نظرا للدور الأساسي للنظام المصرفي (أي المصرف المركزي والمصارف التجارية) في تمويل القطاع العام إن كان عبر الاكتتاب بسندات الخزينة بالليرة اللبنانية أو حتى سندات الخزينة بالدولار الأميركي، مما يعني أن الدين العام اللبناني المقسوم ظاهريا مناصفةً بين دين داخلي ودين خارجي هو عمليا دينا داخليا لأن معظم المكتتبين هم من المقيمين (بشكل أساسي الجهاز المصرفي) بغض النظر عن العملة المعتمدة لإصدار السندات.

كما أنه من الطبيعي أن يتم العمل للمحافظة على معدلات فائدة حقيقية إيجابية (وهي تساوي الفرق بين معدل الفائدة الإسمي ومعدل التضخم)، مما يستدعي إبقاء معدلات الفائدة الإسمية أعلى من معدل التضخم وإلا يصبح معدل الفائدة الحقيقي سلبيا (يعني تحت الصفر) لاسيما في ظل مستوى تضخّم لايُستهان به.

أضف الى ذلك عام 2017، يواصل البنك المركزي لعب دوره الرئيسي في الدفاع عن قيمة العملة الوطنية والثقة بالاقتصاد اللبناني ..ومن المعروف أن سياسته المعتمدة منذ سنوات ساهمت بتخفيض معدل الدولرة نظرا لجذب المودعين الى إبقاء أموالهم بالليرة اللبنانية بمعدلات فائدة أعلى من معدل الفائدة على الدولار الأميركي نظرا لفارق المخاطر بين العملتين بغض النظر عن مخاطر البلد/السوق الذي يتم توظيفها فيه.

اليوم في مطلع العام 2017، يعتزم مصرف لبنان ضخ سيولة جديدة بقيمة مليار دولار. والهدف هو تحفيز الاستثمار وتشجيع الاستهلاك والحد من البطالة. وفي التفاصيل، يحضّر مصرف لبنان لإطلاق رزمة تحفيزية إضافية بقيمة 1500 مليار ليرة أي ما يقارب مليار دولار خلال السنة المقبلة، وذلك في اطار تعميمه الوسيط الجديد الرقم 444. ويأتي هذا القرار كـتكملة للرزمات التحفيزية التي أطلقها منذ العام 2013 والتي تهدف الى دعم حركة التسليف الى القطاع الخاص وتسريع عجلة النمو الاقتصادي في البلاد. وفي هذا السياق، سيقوم البنك المركزي بضخ خطوط ائتمان لدى المصارف بمعدل فائدة يبلغ 1% بغرض تمويل قطاعات اقتصادية مختلفة بنسب فوائد متدنية لا تتخطى الـ 6%، منها القطاعات الانتاجية، قطاع السكن، البحث والتطوير، التعليم، تكنولوجيا المعلومات، المشاريع الصديقة للبيئة وغيرها، فيما حدّد سقفاً لقطاع السكن عند 60% اي ما قيمته 900 مليار ليرة.

ولهذه الحقن آثار إيجابية مضاعفة لجميع قطاعات الاقتصاد، خصوصا أن التضخم لا يزال موجود وأدوات التحكم بالأسعار محدودة. كما أن ثمة "تضخم مستورد" مرتبط بأسعار المنتجات المستورة من بلدان ارتفعت قيمة عملاتها بالمقارنة مع الدولار الأميركي الذي ترتبط به قيمة الليور اللبنانية.

كما نجحت السياسة النقدية للمصرف المركزي بزيادة الاحتياط بالذهب والعملات الأجنبية الى ما يفوق 51 مليار دولار أميركي مطلع هذا العام وارتفعت السيولة لدى المصارف اللبنانية الى حوالي 18 ألف مليار ليرة، مع وجود بنية قانونية متطورة معتمدة على نظام السرية المصرفية التي يكاد ينفرد به لبنان ليس في المنطقة فحسب، بل مع دول معدودة في العالم، من دون الاخلال بالمعايير الدولية الحديثة في الافصاح والشفافية ومكافحة الاموال غير المشروعة.
وكانت السلطات التشريعية اتخذت قرارا في العام 1986 بعدم التصرفّ بالذهب، مما سهّل قرار مصرف لبنان عدم المس بهذه السلعة الموجودة في محفظته، في غياب القناعة بجدوى المس بها، وبالأخص في ظل العجز المرتفع في ميزانية الدولة...ونظرا لما يمثّله إحتاطي الذهب من طمأنينة للعملاء الإقتصاديين.
كما ساهم مصرف لبنان بتعدي مرحلة الضغوط على إلغاء السرية المصرفية بالمساهمة الفعّالة بإقرار قانون مكافحة تبييض الأموال وإنشاء وحدة لديه متخصصة بتطبيق هذا القانون.

اما لجهة الموارد المالية في المصارف اللبنانية، فقد زادت ودائع الزبائن (قطاع خاص وقطاع غام) في القطاع المصرفي اللبناني بنسبة 5.15% (12.027 مليار ل.ل.) الى 245.616 مليار ل.ل. (162.93 مليار د.أ) في الأشهر ال11 الأولى من العام 2016 بالمقارنة مع الفترة عينها من العام السابق .
كذلك، ارتفعت تسليفات المصارف اللبنانية الى القطاع الخاص بنسبة 5.06% (4135 مليار ل.ل.) منذ بداية العام 2016 الى 85.878 مليار ل.ل. (56.97 مليار د.أ.) مع نهاية الاشهر الاحد عشر الاولى من العام 2016، من 81.743 مليار ل.ل.(54.22 مليار د.أ.) في نهاية العام 2015.

وكان مصرف لبنان أصدر جملة من التعاميم تهدف الى تعزيز المسؤولية الاجتماعية للشركات، بالإضافة إلى التعميم المتعلقة بالحوكمة ومكافحة تبييض الأموال، والتعميم 331، الذي يشجع المصارف للاستثمار في الشركات الناشئة الجديدة التي تهتم مباشرة باعتماد نهج المسؤولية الاجتماعية في العمل والمؤسسات الجديدة التي ينشئها الشباب... وإذا كانت الودائع تعكس قوة الإدخار في الإقتصاد الوطني، فالتسليفات تعكس قدرة القطاع المصرفي على المساهمة في تمويل الإقتصاد بقطاعيه العام والخاص وتحريك الدورة الأقتصادية ككل في البلاد.
ففي شهر كانون الأول عام 2013، أصدر مصرف لبنان التعميم الوسيط رقم 331 الذي يسمح للمصارف والمؤسسات المالية بالمساهمة، ضمن حدود 3 % من أموالها الخاصة، في رسملة مشاريع ناشئة وحاضنات أعمال وشركات مسرِعة للأعمال يكون نشاطها متمحورا حول قطاع المعرفة. والهدف من هذا التعميم هو تحريك آليات تأسيس شركات جديدة واعدة تعزز النمو الاقتصادي وتوفر فرص عمل جديدة.

وبفضل هندسته المالية، تمكن مصرف لبنان من استقطاب مليارات الدولارات الى لبنان، ما أثر ايجابا على ميزان المدفوعات الذي بعد تسجيله عجزا تراكميا بلغ 1.7 مليار دولار في أيار 2016، عاد ليسجل فائضا بقيمة 555 مليون دولار في أيلول 2016.

كما ساهم مصرف لبنان بتعدي مرحلة الضغوط على إلغاء السرية المصرفية بالمساهمة الفعّالة بإقرار قانون مكافحة تبييض الأموال وإنشاء وحدة لديه متخصصة بتطبيق هذا القانون.
لقد شهدنا ارتفاعا بميزانيات المصارف وبميزانية مصرف لبنان بالرغم من العجز المستمر في ميزانية الدولة والارتفاع المستمر في الدين العام.
ولا ننسى طبعا الانعكاسات الايجابية لاستقرار سعر صرف الليرة اللبنانية إزاء الدولار الأميركي منذ حوالي العشرين سنة (تحديدا منذ كانون الأول 1997)، بما في ذلك من طمأنينة على القدرة الشرائية خاصة لذوي الدخل المحدود، بعد معاناة التضخم وتدهور قيمة العملة الوطنية التي أطاحت بالطبقة الوسطي خلال سنوات الحرب اللبنانية. علما أن معدل الدولرة والهروب من الليرة في تلك المرحلة كان له الأثر الأساسي في خيار المصرف المركزي لإعادة الاستقرار في أوائل التسعينات...وحتى اليوم لا تزال السايسة النقدية وسياسة القطع في لبنان تتأثر بثلاثية: الدين العام، والدولرة وربط الليرة اللبنانية بالدولار الأميركي.

ويبقى القول أن القطاع المصرفي اللبناني لم ينخرط في توظيفات بالأدوات والمؤسسات والأسواق المالية التي تعرّضت لمضاعفات الأزمة المالية العالمية او انهارت من جرّائها. وقد سجّلت ميزانيّات المصارف ونتائجها المالية معدلات نمو جيّدة، مما طمأن المستثمرين والمودعين، المقيمين وغير المقيمين على السواء.وقد تبيّن أن إدارة المصارف اللبنانية، بالتعاون مع السلطات النقدية والرقابيّة مستمرة في سياسة امتلاك سيولة عالية، خصوصاً بالعملات الأجنبية، وهي سياسة أثبتت جدواها المصرفية والنقدية والإقتصادية عامة. كما أن المصارف مستمرة في اتّباع نموذج العمل المحافظ، وفق الأصول والقواعد المصرفية السليمة، التي يتحمّل البعض اليوم عواقب الابتعاد عنها، والتي يدعو المجتمع الدولي حالياً للعودة إليها.

من جهته، يبدو المصرف المركزي مرتكزا على:
-فعالية إدارة السيولة المتزايدة بالليرة بسبب التحويل المستمر من الدولار الى الليرة والذي يعني ثقة متزايدة بها وبالإقتصاد اللبناني الذي المربتط باستقرارها.
- المحافظة على ااستقرار الفوائد دون تعطيل توجهات الأسواق من أجل المحافظة على السيولة المطلوبة فيها.
- التحفيز على التسليف بالليرة اللبنانية مما يؤمّن المزيد من الموارد لتمويل الإقتصاد وتخفيض المخاطر على القطاع المصرفي ويؤمن دورا لمصرف لبنان في الإقتصاد (لاسيما دعم التسليفات العقارية بالليرة اللبنانية).
- العمل بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية ووزارة المالية، على إطلاق مبادرات تستند على دعم الفوائد والإعفاء من الاحتياط الالزامي لمختلف المشاريع لتكون كلفة تمويلها منخفضة ...

يبقى القول أن الاستقرار النقدي والاستقرار في الأسعار والنمو في الاقتصاد أصبحوا مرتبطين بتطور ونمو السيولة أكثر من ارتباطهم بالمالية العامة. وبين تحديات وإمكانيات مصرف لبنان والقطاع المصرفي يبقى الرهان الدائم على حسن استخدام وادارة السيولة لحسن استفادة الاقتصاد اللبناني ككل منها إن بحجم الإقتصاد الوطني أو بتنوّع أنشطته دون المس بركيزة الإستقرار.

مقال
بواسطة:
باحثة وأستاذة محاضرة في جامعة القديس يوسف في لبنان
عضو منذ: 24/09/2016
عدد المشاركات: 16